6
- خرافة العنصرية العرقية:
والوهم
التاريخي الاخر، الذي تقوم عليه الصهيونية يتمثل في الاعتقاد بصلة العرق، وهي
دافع الحنين الى العودة. وان الاختلاف في الانساب انما يرمي الى حمل الناس
على الاعتقاد بان يهود العالم الحاليين هم جميعاً من ذرية واحدة وعرق واحد
صدر، بأمر من الله، عن ابراهيم ومريديه برمته في ارض كنعان "الموعودة" ليهاجر
بعدها، الى مصر حيث ينقذ الرب من العبودية، بفضل اعجوبة "الخروج" بقيادة
موسى، حوالى القرن الثالث عشر، ثم يفتح "ارض الميعاد" بقيادة "يوشع" عن طريق
تنفيذ امر الرب باستئصال شأفة السكان الاصليين. ويؤسس مملكة داود، ثم يهزم
ويهيم على وجهه في الارض. وعندما سمح احشيروش، عام 539 ق.م. بعودة المنفيين،
قام اثنان من الموثوق بهم في بلاط فارس هما: الكاهن الاكبر "نحميا" والكاتب
"اسدراس" - من اجل الحفاظ على نقاء العرق والدين، ولتجنب اي اندماج لليهود في
الشعوب التي يعيشون وسطها - قام الاثنان بإصدار قوانين مشددة تحظر زواج
اليهود من نساء غير يهوديات، ودققا في تدوين القانون المنزل سابقاً على موسى،
واقاما سلطة كهذية مطلقة. وكانت هذه القوانين صارمة جداً، وهي قوانين تمييز
عنصري… فقد قال اسدراس (10/11) "انفصلوا عن اهالي البلاد والنساء الاجنبيات"
وكانت عمليات الطلاق نافذة خلال ثلاثة اشهر "في اليوم الاول من اول شهر انتهى
الامر بالنسبة لجميع الرجال الذين كانوا متزوجين من نساء اجنبيات" (10/17-1).
وقد بين "نحميا" (13/3) انهم "لما سمعوا بنبأ هذا القانون ابعدوا عن اسرائيل
كل رجل مختلط الدماء" ويضيف "نحميا" قائلاً: - "رأيت يهوداً كانوا قد تزوجوا
من نساء اشدوديات، وعمونيات ومؤابيات وكان نصف اولادهم يتكلم اللغة
الاشدودية، ولا احد منهم يبدو قادراً على النطق باليهودية، بل بلغة شعب او
شعوب اخرى فوجهت اليهم اللوم، ولعنتهم كما ضربت بعضاً منهم وشددتهم من شعرهم،
ثم استحلفتهم باسم الرب "لا تعطوا بناتكم لأبنائهم، ولا تأخذوا من بناتهم
لأبنائكم او لكم (13/23/-5) "كنت اطهرهم من كل اجنبي، واعيد تطبيق الانظمة
المعلقة بالكهنة واللاوية (سدنة المعابد 13/30). وهكذا تابعت اليهودية،
المصانة من اي رافد خارجي في البدء تابعت مسيرتها برعاية كبار الكهنة. في هذه
الرواية "الرسمية" للتاريخ اليهودي سوف نرى، عند تحليل ما قامت الصهيونية
المعاصرة من قرارات انتقائية واسطورية وقبلية للتوراة، ان المأثورات
المزركشة، الزاخرة بالمديح، والمستخرجة من اجل غايات سياسية محددة، هي ما
يشغل الجزء الاكبر من تلك الرواية. وعاش التاريخ في الـ "دياسبورا" (اي مع
اليهود المشتتين في بقاع الدنيا) حيث عاشت الجماعات اليهودية، التي يصورها
الصهيونيون دائماً على انها مضطهدة في كل مكان، وهناك حافظت على املها
بالخلاص الاخير عبر "العودة" الى "ارض الميعاد" المفقودة مؤقتاً، وشكلت،
بالتالي بين الأمم "شعباً الهياً" مكلفاً برسالة الهية تبشر بارادة الله، عن
طريق آلام هذا الشعب وايمانه الراسخ مما يعني ان التاريخ البشري كله يدور حول
مصير هذا الشعب المختار. وسنرى، فيما بعد كيف "علمنت" الصهيونية السياسية
المعاصرة هذه الصورة لتبرير القوة حتى بالنسبة لأولئك الذين لم يعودوا
يعتنقون الديانة الاسرائيلية وهم كثيرون جداً داخل اسرائيل وخارجها. وقبل ان
نتناول التبرير الديني الاساسي الذي ترتكز عليه الايديولوجية الصهيونية في
استخدامها "للوعد" الذي يمنح "حقاً الهياً" بأرض فلسطين و"لاختيار" الشعب
اليهودي يتيح له باسم هذا "الحق الالهي" ان يدوس بقدميه كل الحقوق الانسانية
التي اكتسبها اولئك الذين عاشوا وعملوا آلاف السنين في فلسطين.. وقبل ان
نتناول ذلك، نشير الى وهمين اضافيين هما: "العرق اليهودي، والحنين القديم الى
العودة". اما مفهوم "العرق" او العنصر، فهو من بدع القرن 19 الاوروبي الرامية
الى تبرير هيمنة الغرب الاستعمارية، وقد مر بطريقة اعتباطية: من التمييز بين
المجموعات اللغوية، الى فكرة الاختلاف البيولوجي وعلى الاخص الطبقية بين
سلالات البشر الكبرى. وقبل تطور هذا الوهم الخطير - وخاصة عبر التفاسير
الجامحة لكتاب الكونت "دي غوبينو" الصادر عام 1853 بعنوان (مقالة في عدم
المساواة بين الاجناس البشرية).
-
كانت الفكرة الاقرب الى الامتياز العرقي هي المفهوم القبلي للدم المشترك،
وهذا المفهوم بنظر جميع الحضارات يبرره امتداد وهمي جد مشترك او بطل تحمل
القبيلة اسمه، او انساب اسطورية تتواجد امثالها لدى الهنود الحمر في امريكا،
وفي ملحمة "الانياذا" لفرجيلوس، وفي "العهد القديم".. لكن الامر لا يتعلق
بمدلول العرق كما فهمته اوروبا في القرن التاسع عشر باعتباره محصوراً في بعض
كبريات المجموعات البشرية، بل بذلك المحصور بذرية متصل النسب في وحدات قبلية
صغيرة، او في بعض الطبقات الاجتماعية، وعلى سبيل المثال، نجد ان لغة القرن
السادس عشر الفرنسية تدعو الطبقة الملكية "بالعرق" الملكي بينما كان هناك في
القرن الثامن عشر تفريق بين طبقة النبلاء ذات "الاصل العريق" وبين الطبقة
حديثة الاكتساب للقبها "النبيل" وغير متصل لنسب. ولم يتم الا في القرن الثامن
عشر - ومع الفكر الفرنسي "بوفون" اذ وضع تصور للنموذج البشري الاصيل.. وهو
المتمثل في الجنس الابيض الذي يتدنى تكوينه ويتناقص قدره كلما ابتعد عن
المناطق معتدلة المناخ، ثم وباسم مذهب مركزي للنشوء والارتقاء البشريين ذي
محور اوروبي بالطبع، اعتبر "بدائياً" كل من هو غير غربي، وهي حجة اساسية
"لتبرير" الفتوحات الاستعمارية بمهمة الانسان الابيض في نشر "التقدم" ويعزز
المصطلح الحالي لتحديد الدول "النامية" هذه الرؤية الطبقية التي ترى ان
المسيرة النموذجية للبشرية انما هي مسيرة الغرب وبالتالي فان "نمو" اي شعب
يقاس بمدى الاقتراب من ذلك النموذج المثالي او الابتعاد عنه!!. وقد استنكر
"ليفي شتراوس" في كتابه (العرق والدين) هذه العنصرية بشدة مبيناً نقصها، اذ
هي تستبعد حوار الثقافات، وقال "النقيصة الوحيدة التي يمكن ان تضر بمجموعة
بشرية وتمنعها من تحقيق ذاتها كما يجب هي توحدها وعزلتها" (ص 37). واستخدمت
نظرية العرق المزيفة باستمرار كمبرر للتسلط والعنف وابلغ مثال على هذا هو ما
قدمته النازية، فهتلر يتهم اليهود "بانهم يريدون بالافساد الناتج عن التهجين،
القضاء على الجنس اليهودي الابيض الذي يحتقرونه". ويضيف قائلاً: "بان اليهودي
يسمم دماء الاخرين، بينما هو يصون دمه!."
واللافت
للنظر هنا هو هذا التقليد للضحية، فمشروع قوانين (نورمبرغ) الدموية يذكر في
مقدمته باستيحائه الاحكام من اول مقررات في التاريخ كان (اسدراس) و(نحميا) قد
اتخذاها من اجل صيانة نقاء الجنس. ولا يتعلق الامر بالتاريخ القديم او بعلم
الآثار اذ انه بموجب السنة الحاخامية يحدد دستور دولة اسرائيل الحالية هوية
"اليهودي". وجاء في "صموئيل" (10/3)، "هيا اذن امضِ لضرب (أبمالك) وعليك
حرمانه من كل ما يعود اليه. لن تدعه ابداً. ستوقع الموت بالجميع، الرجال
والنساء والاولاد والاطفال، البقر والاغنام، الجمال والحمير". هذا التبرير
التوراتي للمذبحة، وذاك الاقرار لمشروعية الاعتداءات وضم الاراضي من جانب
الدولة الصهيونية القائمة حالياً في اسرائيل، والمعتبرة كوريث شرعي وامتداد
مكمل لاسرائيل التوراتية، يسهلان قبول ما لا يمكن قبوله لدى يهود الشتات
(دياسبورا) ولدى كثير من المسيحيين الذين يتقبلون دون مناقشة بعض التعاليم
الكاثوليكية وتعاليم "مدرسة الاحد" البروتستنتية المساندة دون قصد
للميتولوجيا الصهيونية، علماً بان الشروحات التي تناولت هذه الميتولوجيا قد
بينت تهافتها منذ قرن من الزمان، وعلى الاخص في السنوات الاخيرة.. وهنا تعطي
الاسطورة الدليل على فعالية استخدامها، فها هو الحاخام اليعازر ولدمان يكتب
في جريدة (ناكوده) مقالة بعنوان "قوة انجاز العمل " يعزز فيها سياسة ارييل
شارون وبيغن بضمانة "لاهوتية" ضرورية للمشروعات الملحة الجامحة، وبدعم من
الروايات التوراتية، يبين ان اسرائيل قد دللت باحتلالها للبنان على تمكنها من
اقامة "نظام جديد" في الشرق الاوسط وما يليه، مما يعتبر "بداية الخلاص"
بالنسبة للعالم اجمع، وهو لا يكتفي بتمجيد الاعتماد على "العرق" بل يقول بان
"الحاجز الفاصل بين الشعب المختار وبين بقية الأمم قام لأجل استمرار مهمته
كشعب الهي". ان التاريخ وكذلك علم الاحياء لا يوفران اي ركيزة موضوعية لمفهوم
العرق المميز ويجعل اليهود عنصراً منعزلاً عن باقي البشر، ويعني اختلاق
اسطورة، او وهم هو مشترك بين الصهاينة ومعادي السامية.. وهكذا ترتكز
اللاسامية والصهيونية على نفس الفرضية وتقودان الى نفس النتائج. اما الفرضية
المشتركة فهي الاعتقاد بوجود كيان يهودي غير قابل للاندماج ببقية الشعوب،
اصطفاء كان ام استعباداً. وهذا يقود الى الاستنتاج بوجوب اصطفاء اليهود من
بين الأمم، بغية تجميعهم في معزل دولي (غيتو) ومثل هذا كان مبتغى اللاساميين
على الدوام. والحقيقة انه لم يكن "للعنصر اليهودي" من وجود اصلاً. وفيما عدا
هذيان هتلر والصهيونيين، كان "اليهود" خلال جميع مراحل التاريخ احد مركبات
الفئات السكانية التي لم تشكل بدورها اصولاً عرقية. ان البدو الرحل او الرعاة
المتجهين نحو الاستقرار، ممن دخلوا ارض كنعان كانوا آراميين، اتوا من شمالي
الفرات، ومن شرقي الاردن، ومن شبه الجزيرة العربية، اي انهم - بحكم لغتهم لا
بحكم دمهم - كانوا "ساميين" كما هو اليوم العرب والاسرائيليون، ويشهد على ما
في اللغتين، العبرية والعربية من تقارب. و"العابرون" (العبريون) الآتون من
مصر وقت "الخروج" كانوا فئة اجتماعية من الهامشيين، والعارضين لا عنصراً
متميزاً. اما القبائل التي تسللت الى ارض كنعان بسلام او بحرب، فقد تمازجت
بالسكان المحليين، ثقافياً وبالزواج، وتشهد على ذلك قوانين اسدراس ونحميا
العنصرية الصادرة بعد عدة قرون. ثم ان مملكة داود وسليمان كانت متعددة
الجنسيات، حفيت بالاجانب ونزعاتهم الدينية. وعندما سمح احشيروش للمنفيين في
بابل "بالعودة" بقي معظمهم في بلاد ما بين النهرين، حيث شكلوا جذوراً اسرية.
واخيراً، حينما طرد الرومان الاسرائيليين المتمردين سنة 70 م - وفي
(باركوشبا) فيما بعد - نجح المنفيون في تحويل بعض السكان الذي آووهم الى
اليهودية. وكان جوزيف ريناخ قد كتب في (جريدة الجدال) يوم 30/3/1919 قوله بأن
"يهود فلسطين لا يشكلون سوى اقلية لا تذكر واليهود، كالنصارى والمسلمين،
عمدوا بحماسة وايمان الى ادخال الشعوب في دينهم، بل انهم، قبل العهد المسيحي
ادخلوا في ديانة موسى الموحدة لله، ساميين آخرين (كالعرب) ويونانيين ومصريين
ورومانيين، بأعداد كبيرة وبعد ذلك نشط التبشير اليهودي في آسيا وافريقيا
الشمالية وايطاليا واسبانيا وبلاد الغال. وكان الرومان والغاليون المتحولون
الى اليهودية هم بلا شك الاكثرية في الجماعات اليهودية المشار اليها في
حوليات "غريغوار دي تور" كذلك كان بين اليهود الذين طردهم الملك الكاثوليكي
فردينايد من اسبانيا كثير من الاسبان المتحولين الى اليهودية، وقد انتشروا في
ايطاليا وفرنسا والشرق وازمير. والاكثرية الساحقة من اليهود الروس
والبولونيين والكاليكيين ينحدرون من "الخزر" وهم شعب تتري في جنوبي روسيا،
تحول برمته الى اليهودية في عهد شارلمان. لذا، فمن يتحدث عن عرق يهودي، اما
ان يكون جاهلاً، او ذا نية خبيثة. ذلك لان اليهود لم يكونوا سوى قبيلة بين
العديد من القبائل العربية او السامية التي استقرت في غربي آسيا".
ويستخلص
"جوزيف ريناخ" من كل ما سبق نتيجة واضحة هي: - "بما انه لا يوجد اذن عنصر
يهودي ولا امة يهودية، بل مجرد ديانة يهودية، فالصهيونية هي بالتالي حماقة،
وثلاثية الخطأ، تاريخياً، واثرياً وعرقياً!.." واكد هذا مكسيم رودنسون بدقة
علمية فقال: "من المرجح، كما يبين علم الانسان الى يبينه، انه يجري في عروق
السكان المعروفين بعرب فلسطين (ومعظمهم معربون) قدر من دم العبرانيين القدامى
اكثر مما يجري في عروق اغلبية يهود الخارج، ممن لم يمنع انغلاقهم الديني من
امتصاص متحولين الى اليهودية من مختلف الاصول العرقية. وكانت الدعوة الى
اليهودية قد نشطت نشاطاً واسعاً طوال قرون متعاقبة، وتتابعت خلال فترات زمنية
طويلة، ويكفي للتدليل التاريخي على ذلك، ان ننوه بقيام دولة يهودية في جنوبي
الجزيرة العربية على اساس عربي جنوبي مهود وقيام دولة الخزر اليهودية التركية
في جنوب شرقي روسيا بين القرنين الثامن والعاشر على اساس تركي اوفينوغري، مع
مسحة سلافية. ثم ان اليهود في الصين هم صينيون اصلاً، وفي الحبشة وحولها هم
زنوج سود اصلاً ولوناً..الخ.. ويكفي من الناحية الانتروبولوجية، تفحص وجوه
متعددي الاجناس من الذين يحضرون اي اجتماع يهودي، لتقدير اهمية الاسهامات
الاجنبية في الكيانات القومية" واوضح مقولة لازالة الخداع التاريخ هذا، هي
التي اوردها "توماس كيرنان" في كتابه "العرب" (بوسطن 1975) اذ قال: "كان
الصهاينة اوروبيين وليس هناك البتة من رابط حيوي او عضوي بشري بين اجداد يهود
اوروبا وبين القبائل العبرانية القديمة". وانهاء لموضوع "الحقوق التاريخية"
المزعومة نود التذكير بمواقف ثلاثة جوهرية في مسيرة اقامة دولة اسرائيل:
8
- وعد بلفور الذي تضمنته رسالة موجهة الى البارون دي روتشيلد في الثاني من
نوفمبر (تشرين الثاني) 1917. بان حكومة جلالة الملك تنظر بعين العطف الى
تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل جهدها لتسهيل تحقيق هذه
الغاية، وعلى ان يفهم جلياً انه لن يؤتى بعمل من شأنه ان يغير الحقوق المدنية
والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين ولا
الحقوق او الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الاخرى". وسرعان ما
وعى بلفور مخاطر وعده، فكتب يوم 19/2/1919 الى "لويد جورج" ما يلي: "النقطة
الضعيفة في موقفنا، هي اننا فيما يتعلق بفلسطين، قد رفضنا مبدأ تقرير المصير
ذاتياً، فلو كان السكان الحاليون قد استشيروا، لكان قرارهم حتماً ضد
الاستيطان اليهودي". وهذا ما كان قد اكده تقرير لجنة "كنغ كرين" التي ارسلها
الرئيس الامريكي عام 1919 لتقصي الحقائق حول "افكار ورغبات مجمل السكان".
ويقول التقرير بالنسبة لفلسطين:
-
"لقدامى السكان هنا، من مسلمين ومسيحيين على السواء، نفس الموقف المعارض لاي
نزوح يهودي جماعي، ومضاد لاي مسعى نحو بسط سيادة يهودية عليهم. وهنا نتساءل
عما اذا كان هناك من بريطاني او امريكي بين الرسميين، يمكن ان يعتقد بامكانية
تحقيق البرنامج الصهيوني، الا ان يكون هذا مدعوماً بجيش كبير". ونبذت اللجنة
البرنامج الصهيوني الموسع مقترحة الابقاء على الوحدة السورية الفلسطينية تحت
انتداب بريطاني او امريكي، مع ضمان موطن قومي يهودي محدود. وقد وفق "ارثر
كوستلر" في وصف العملية التي جرت، عندما قال في كتابه "الوعد والوفاء" (ص4):
- "امة
وعدت اخرى علناً بأرض امة ثالثة!" ومع هذا الوعد بدأت سلسلة الاكاذيب التي
تحكمت بمسيرة دولة اسرائيل وقادتها، ولم يكف الانتهاك المستمر للاشارة
الواردة في وعد بلفور الى احترام حقوق "الطوائف غير اليهودية" بل كانت فكرة
"الوطن القومي اليهودي" - كما حدده "الكتاب الابيض" البريطاني عام 1922 بانه
مركز اشعاع للثقافة والديانة اليهوديتين ستاراً حاجباً لنشاط القادة
الصهيونيين في إنشاء دولة صهيونية. وكان اللورد كرزون قد كتب منذ 26/6/1919:
"اذا كان وايزمن يقول لك شيئاً فتظن انه يعني "وطناً قومياً يهودياً" لكن
تفكيره يذهب الى شيء مختلف كل الاختلاف، فهو يتطلع الى دولة يهودية وسكان عرب
يخضعون لحكم اليهود، انه يسعى الى تحقيق ذلك خفية، وبمضمانة بريطانية".
وازدواجية الصهيونية السياسية حقيقة راهنة، اذ بينما يؤكد المجلس الوطني
اليهودي في مذكرته الى ونستون تشرشل، في آذار (مارس) 1921 بانه "لا يمكن الشك
في انه عازم على رفض حقوق شعب آخر". تعلن غولداً مائير، عكس ذلك في الكنيست
يوم 22/6/1969 بقولها: "اريد دولة يهودية ذات اكثرية يهودية مستقرة.. وهذا هو
تصوري الدائم للصهيونية".
2
- قرار تقسم فلسطين،
الذي اتخذته الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة في 29/11/1947، في هذا
الوقت، كان اليهود يشكلون 32% من السكان ويمتلكون 5.6 % من الاراضي، واذا
بالدولة الصهيونية تتلقى 56 % من البلاد مع اخصب الاراضي فيها!. وسبق التصويت
على خطة التقسيم هذه مناورات دنيئة، اشار اليها في 18/12/1947 لورنس سميث،
عضو الكونغرس الامريكي، امام نواب الكونغرس فقال:
"لنسترجع ما حدث في جمعية الأمم المتحدة اثناء الاجتماع الذي سبق التصويت على
التقسيم. كان القرار يتطلب ثلث الاصوات لإقراره. وقد اعيد التصويت مرتين..
واثناء ذلك الوقت، مورست على مندوبي ثلاث دول صغيرة ضغوط شديدة بما ادت الى
ان تكون اصوات هايتي، وليبيريا، والفيليبين، هي الحاسمة اذ بها استكملت
اكثرية الثلثين، علماً بان هذه البلاد كانت تعارض التقسيم سابقاً لكن
مندوبينا ومسؤولينا، وبعض مواطنينا الامريكيين مارسوا ضغوطاً عليهم وهي تشكل
عملاً ذميماً جديراً بالعقاب" .
وفي عدد
9/2/1948 من جريدة (شيكاغو ديلي) القى "دروبيرسون" الضوء على امور كثيرة،
منها التالي: - "هارفي فايرستون، صاحب مزارع المطاط في ليبيريا، مارس ضغطاً
على الحكومة الليبيرية".
كذلك
مارس ترومان ضغطاً لا مثيل له على ادارة الدولة وقد ذكر وكيل الدولة سمنز
ويلز، انه "كان على الموظفين الامريكيين، بموجب امر صادر مباشرة من البيت
الابيض، ان يمارسوا ضغوطاً مباشرة او غير مباشرة لتأمين الاكثرية اللازمة
للتصويت النهائي اما "جيمس فورستال" وزير الدفاع يومئذٍ فأكد "ان الطرق
المستخدمة لممارسة الضغوط وارغام الدول الاخرى داخل هيئة الأمم المتحدة،
تقارب الفضيحة ..".
8
- اثناء الفترة الفاصلة بين قرار التقسيم الصادر في 29/11/1947 وبين
النهاية الفعلية للانتداب البريطاني على فلسطين في 15/5/1948 استولى الجيش
الصهيوني على اراض عائدة للمنطقة المخصصة للعرب، مثل يافا وعكا. فمن يستطيع،
في احوال كهذه، ان يلوم الفلسطينيين والبلاد العربية المجاورة على عدم القبول
بالظلم الصارخ المتمثل بالامر الواقع وعلى عدم الاعتراف بالدولة الصهيونية؟
لكن الارض وحدها لم تكف الدولة الصهيونية بل توجب ايضاً تفريغها من سكانها
لتحويلها - لا الى مستعمرة تقليدية لاستغلال اليد العاملة المحلية - بل الى
مستعمرة توطين يحل بها المهاجرون محل السكان الاصليين. لبلوغ هذا الهدف، عمدت
الدولة الصهيونية الى ممارسة ارهاب منظم اشرفت عليه، اي الى مذابح بين السكان
الفلسطينيين.
وابلغ
مثل على ذلك ما حل بدير ياسين، ففي التاسع من نيسان (ابريل) 1948 وبأسلوب
شبيه بما فعل النازيون في بلدة (اورادور)، اقدمت عصابة الارغون، بقيادة
مناحيم بيغن ، على قتل سكان تلك القرية وعددهم 254 نسمة. وكان بيغن قد ذكر في
كتابه (العصيان، حكاية الارغون) صفحة 162 من الطبعة الانجليزية - انه لولا
"الانتصار" في دير ياسين لما كانت دولة اسرائيل بينما كانت الهاغاناه تحقق
انتصارات في جبهات اخرى، كان العرب يفرون هلعين وهم يصيحون، دير ياسين. وفي
15 ايار (مايو) 1948 فقط ابلغ الامين العام لجامعة الدول العربية السكرتير
العام لهيئة الأمم المتحدة، باضطرار الدول العربية الى التدخل من اجل سلامة
السكان الفلسطينيين. وفي عام 1949 بعد الحروب الاسرائيلية العربية الاولى بات
ثمانون بالمائة من فلسطين بيد الصهاينة وطرد منها 770 الف نسمة. وعينت الأمم
المتحدة وسيطاً هو الكونت فولك برنادوت، الذي ذكر في تقريره ما يلي: - ان ما
يصدم ابسط المبادىء الاخلاقية هو ان يمنع هؤلاء الضحايا الابرياء للأزمة من
العودة الى موطنهم، بينما يتدفق المهاجرون اليهود الى فلسطين مهددين بالحلول
محل اللاجئين العرب المقتلعين من جذورهم الممتدة الى عدة اجيال في هذه
الارض". ثم وصف "ما يمارسه الصهاينة من سلب على اوسع نطاق، ومن تخريب بانه تم
للقرى دون دواع عسكرية ظاهرة". وقدم الى هذا التقرير (هيئة الأمم المتحدة،
الوثيقة 1/648 - ص14) واودع في 16/9/1948. وفي 17/9/1948 تم اغتيال الكونت
برنادوت ومساعده الفرنسي العقيد سيرو في الجزء الذي احتله الصهاينة من القدس.
اما السخط الذي اثاره هذا الحادث في العالم اجمع، اوقفت الحكومة الاسرائيلية
رئيس عصابة (شترن) ناتان فريدمان يلين، الذي حكم عليه بالسجن خمس سنوات، ثم
عفي عنه، وانتخب نائباً في الكنيست سنة 1950 الا ان باروخ نادل، احد قادة
عصابة شترن في سنة 1948 اسند لنفسه في تموز (يوليو) 1971 شرف اصدار الامر
بالاغتيال . وبقدر تمكن الحكام الصهاينة لدولة اسرائيل من الاستخفاف بالأمم
المتحدة كانت اكثرية تلك الأمم المتحدة متواطئة وضالعة في الاغتصاب الصهيوني
لفلسطين.
في عام
1947، وقبل انتهاء الانتداب كان الغربيون هم المتحكمين بهيئة الأمم المتحدة
التي انتهكت شرعتها بنفسها حينما حرمت العرب - الذين يشكلون آنئذٍ ثلثي عدد
سكان فلسطين - من حق تقرير مصيرهم بنفسم. وحتى من وجهة النظر القضائية
البسيطة، هناك عدد من المسائل التي تفرض نفسها على البحث - التصديق على قرار
التقسيم جرى في الجمعية العمومية وليس في مجلس الامن لذا يعتبر توصية لا
قراراً تنفيذياً.
لم يكن
الفلسطينيون وحدهم الرافضين لهذا التقسيم، فقد اعلنت عصبة الارغون (التابعة
لمناحيم بيغن) حينذاك ان ذاك التقسيم هو غير شرعي، ولن يتم الاعتراف به
اطلاقاً، ودعت اليهود "ليس فقط الى طرد العرب، بل كذلك الى الاستيلاء على
فلسطين كلها" بل ان بن غوريون نفسه كتب يقول "حتى يوم رحيل البريطانيين لم
يقتحم العرب اي مستوطنة يهودية، مهما كانت بعيدة، بينما استولت الهاغاناه -
بعد عدة هجمات عنيفة - على العديد من المواقع العربية وحررت طبريا وحيفا
ويافا وصفد" . وهكذا فان الارض التي منحتها متنظمة الامم المتحدة للصهيونيين
بنسبة 57 بالمائة امتدت لتصبح حوالى ثمانين بالمائة من فلسطين!. وخلاصة الامر
ان من الخطأ القول بان "نشوء" دولة اسرائيل قد تم على يد منظمة الامم
المتحدة، بل ان نشوءها قد قام على سلسلة من "الوقائع التي تمت، عبر عنف
الهاغاناه، والارغون، ومجموعة شترن. وهكذا اسدل الستار على تمثيلية "الحقوق
التاريخية" بخاتمة من الاضاليل والدماء. اذ لا يمكن ان يكون الامر غير ذلك..،
لان مفهوم "الحقوق التاريخية" بحد ذاته، حينما يدعي امكان تطبيقه على فترات
طويلة من الزمن سيؤدي الى الاستحالة والى فوضى الحروب. ولو عمم هذا النوع
الصهيوني من المطالبات القائمة على "حقوق تاريخية" كهذه لسيقت كرتنا الارضية
كلها الى الفوضى، فلماذا لا يطالب الايطاليون "بحقوق تاريخية" لهم في فرنسا،
حيث استغرق حكم الرومان - منذ يوليوس قيصر - زمناً يفوق كثيرا حكم ملوك
اسرائيل لفلسطين؟ ولماذا لا يطالب السويديون بنورماندي، وانجلترا، وصقلية
باسم "اجدادهم" النورزان؟ وماذا سيحل بأفريقيا لو طالب فاتحوها القدامى
باعادة تكوين الممالك، وباستعادة الهيمنة؟ حتى عند اقتصار الامر على اوروبا،
لنتصور ان الدول الاوروبية راحت تدعي اليوم "بحقوق تاريخية" على الارضي التي
سبق لها ان حكمتها او شكلت اكثرية سكانها في عصر من العصور، حتى لو لم تتعدَ
العودة زمن ابرام اتفاقيات (وستفالي) عام 1648 - وهو زمن فاصل في حياة
اوروبا، انحلت فيه رابطة المسيحية وتمت ولادة الامم والقوميات فسوف تغرق
اوروبا بالدم والنار بسبب الادعاءات المتضاربة التي ترفعها كل دولة، وتمتد
الحرائق حينئذٍ من السويد الى ايطاليا والى النمسا فالألزاس والبلقان. وكيف
سيكون الحال لو كانت العودة الى سقوط المملكة الرومانية قبل 15 قرناً؟ وقت ان
نشأت جميع الامم، وحدود دولها، عن المصادمات الحربية وموازين القوى وسياسة
"الامر الواقع" التي صنع منها التاريخ.
ولقد
كانت ملاحظة (بليز باسكال) بعيدة المرمى بهذا الصدد: - عندما عجز الانسان عن
جعل الصحيح هو الاقوى، تصرف بطريقة تجعل الاقوى صحيحاً. والمثال الاخير على
هذا اللامعقول، يمكن تناوله من امريكا، فقد قال العالم باللاهوت "البير دي
بوري" من جامعة نيوشاتيل: - قام استعمار امريكا على انتزاع ملكية القبائل
الهندية بشكل مخزٍ، بيد انه يستحيل اليوم الاستناد الى ذلك الحدث من اجل
انكار شرعية الولايات التي اقيمت في تلك القارة" . ومع ذلك "فالحقوق
التاريخية" للهنود الحمر هي اكثر واقعية من تلك التي يدعيها الصهاينة. لان
اولئك الهنود لم يكونوا فقط اول من سكن في امريكا بل انهم شاغلوها الوحيدون،
منذ قرون وقرون. وعندما اقبل عليهم الاسبان والبرتغال والانجليز، وغيرهم من
بقية الاوروبيين، أخذوا يمعنون فيهم تقتيلاً ويجردونهم من اراضيهم، فاذا كان
لهم اليوم حق غير قابل للتقادم، في المطالبة بإمكانية العيش، فلن يقر احد
شرعية اعتبارهم، لأنفسهم، السادة الوحيدين للقارة الامريكية المخولين،
وبالتالي طرد او اضطهاد جميع المنحدرين من اصول اوروبية. فهل يعني هذا انه في
كل مرحلة من مراحل التاريخ، لا بد من الاستسلام والانقياد (ككلبٍ مبقور في
تيار ماء!!) لأعمال القوة ولسياسة الامر الواقع؟ فطيلة قرن ونصف من الزمن
(بين 1746 و1914) لم يؤدِ الاضطهاد الخارجي الى الموت التاريخي لهذه البلاد.
واليوم تمر نفس الاحوال بالشعب الفلسطيني الذي انتزعت منه ارضه، منذ اكثر من
ثلث قرن، وكان يعيش ويعمل فيها منذ اجيال واجيال. ليطرد منها اخيراً، ويكون
غريباً في دياره، وغريباً خارجها!! ان مقاومته لا تنطلق من مطالبة "بحق
تاريخي" مبهم او بعيد، وانما من رفض حيوي لا يقهر، لعنف مستمر ويطال جذور
الحياة نفسها. ولا وجه للشبه بين ذلك وبين الخرافة التي لفقتها الصهيونية
السياسية جامعة من كل واد عصا - ثلاثة آلاف سنة وبين العديد من الغزوات تشكلت
مملكة عابرة (لم تدم فعلاً اكثر من 73 سنة) لم يتكن متجانسة السكان، بل هي لم
تسع الى ان تكون كذلك وقد ادت تقلبات الزمان الى انهيار هذه الدولة التي مرت
بنفس مصير جميع الممالك المتسلطة، اما الغزاة الذين استنكفوا عن الاندماج في
المحيط الذي يعيشون فيه طردوا تماماً كالصليبيين الذين اجتاحوا فلسطين في
القرن الحادي عشر، وتعمدوا البقاء فيها كجسم غريب، فارضين هم ايضاً انفسهم
كدولة اسرائيل الحالية، وسيطرتهم بقوة السلاح وتمويل الغرب. وبعد قرنين من
الاحتلال (بين 1096 و1291م) حافلين بحروب متلاحقة ضد السكان الاصليين، تم
طردهم جميعاً وغادر آخر فرد منهم عكا عام 1291. ومن الناحية التاريخية، لا
يملك الدعائيون المتعصبون للصهيونية السياسية ولو قدراً من "الحقوق
التاريخية" في فلسطين اكثر مما كان يملكه الصليبيون. وتخفي خرافة الحنين
المتوارث جيلاً بعد جيل الى "العودة" وراءها الحقيقة الاستعمارية للدولة
الصهيونية في القرن العشرين. كما ان الروحانيين اليهود الذين نادوا بالعودة
الى فلسطين، ظلوا منعزلين مثل يهودا هاليفي (1085-1141م) الفيلسوف والشاعر
اليهودي في زمن كان اليهود يتمتعون فيه بوضع متميز في اسبانيا المسلمة فقد
كان هذا الشاعر الصوفي الكبير يرى في كل يهودي نبياً. ويؤكد بان "الحدس
الالهي" الذي هو هبة خاصة بهم لا ينفتح الا في بلاد اسرائيل". ونداؤه هذا -
الذي يستند اليه الصهاينة السياسيون اليوم دون مشاركة لصاحبه في ايمانه - لم
يلقَ تجاوباً في حينه كما لم يتبع خطاه احد بعد ان توجه الى القدس، ومات عند
ابوابها. كذلك الحال في القرن الثالث عشر بالنسبة للفيلسوف المتصوف "نشمنيد"
الذي توجه للعيش في القدس. دون ان يجد احداً يتبعه لذا فان الاضطهاد كان هو
الدافع الى الهجرات الكبرى الى فلسطين، وليس "الحنين" الى وطن… وهذا الحنين
لم يكن الحاخامون المبشرون بالخلاص المنتظر ليشجعوا عليه ابداً. واليهود
الذين سبق ان طردهم الصليبيون من القدس عاد "الملوك الكاثوليك" فطردوهم من
اسبانيا عام 1492م عدا من تحول عن دينه امام ارهاب محاكم التفتيش الخاصة
بالكنيسة الكاثوليكية.
وحينئذٍ
لجأ العدد الاكبر منهم الى انحاء متفرقة من اوروبا، بينما توجه العدد القليل
الى فلسطين، حيث كان متصوفو صفد يقرنون رؤياهم الشاملة للمحبة الالهية ووحدة
العالم بتأويل اسطوري لتاريخ اسرائيل. ولسوف تستغل الصهيونية السياسية
التشابك الدائم بين التسامي النبوي في اليهودية وبين الاسطورة التاريخية التي
تستند اليها الصهيونية السياسية. فجعل هؤلاء المتصوفون من صفد مركز اشعاع
روحي ليهودية متوسعة، لم تستثر - رغم ذلك - هجرة جماعية، وحينما فر "دون
جوزيف ناسي" دوق ناكسوس، من طغيان محاكم التفتيش البرتغالية عام 1570م، وحصل
من صديقيه المسلمين سليمان وسليم الثاني على الاذن باعادة تعمير طبريا من اجل
اخوته في الدين، لم تثر محاولة النهوض السياسي هذه اي اهتمام لدى الطوائف
اليهودية، وما لبثت ان اهملت. وعلى الصعيد الروحي فقد انفصلت اخيراً - مع
"باروخ سبينوزا" ارفع المأثورات اليهودية الشاملة عن الاساطير التاريخية
والعرقية المركزية الصهيونية ومقولتها بـ"الشعب المختار" المتميز وما تثيره
من تعصب وعنصرية. اما كارل ماركس - بمجمل ابداعه الذي يعتبر امتداداً لدعوة
كبار الانبياء وسبينوزا الى الخلاص الشامل - فلا يقدم في كتابه (المسألة
اليهودية" (184م) تصوراً لانعتاق خاص باليهود، منفصل عن التحرر الانساني
الشامل. ازاء نظام يختص اليهود فيه بمهمة مقتصرة عليهم. ذلك لان منشأ
الصهيونية السياسية ليختلف تماماً عن بواعث الصوفية اليهودية. حيث سعت الاولى
الى ايجاد حل استعماري بحت لمشكلة اضطهاد اليهود في اوروبا. ومما دفع الى
التفكير في ايجاد ملاذ يوفر السلامة والامان لليهود المضطهدين: هو طرد اليهود
من اسبانيا عام 1492، بأمر من "الملوك الكاثوليكيين" بعد سقوط آخر الممالك
الاسلامية في غرناطة، ثم قتل القوزاق (بقيادة بغدان شملنسكي) لثلاثمائة الف
يهودي في بولونيا عام 1648، مذابح اليهود المتلاحقة التي نظمها قياصرة روسيا
منذ عام 1882، ومن ثم قضية "دريفوس" في فرنسا (بين 1894و1906) التي تبين مدى
الفظاعة التي يمكن ان ترتكبها طبقة برجوازية فاسدة، وطغمة عسكرية عديمة
الشرف، وصحافة وكنيسة دنيئتان، لاستخدام القومية كوسيلة للحفاظ على
امتيازاتها باي ثمن. واخيراً النازية التي هي ايضاً جعلت من محاربة اليهود
حجة لتحويل الانظار عن تطلعاتها الاساسية الى السيطرة على العالم، بدحر
الحركة العمالية الثورية، عدوهما الرئيسي. اما تيودور هرتزل (كتابه "الدولة
اليهودية" الذي نشر في فيينا عام 1896) فلم يكن يهودياً تقياً على الاطلاق،
ولم يفكر ابداً في "عودة" روحية الى بلاد صهيون، بل كان مدفوعاً باهتمام صادق
لتجنيب اليهود الاضطهاد. وقد ايقظت فيه قضية (دريفوس) في فرنسا هذه النزعة
لقد تصور ان الحل الامثل هو في ايجاد ارض يمكن فوقها انشاء "دولة يهودية" ذات
سيادة. وفي سياق سياسة العصر الاستعمارية وخلافاً للصهيونية الروحانية التي
اعتنقها "عشاق صهيون" وعلى رأسهم الكاتب اليهودي الروسي آشر غنزبرغ، الحالمون
بإقامة مركز روحاني لاشعاع الثقافة والعقيدة اليهوديتين، ولاستقطاب طموحات
جميع الطوائف اليهودية في العالم دون تشكيل سلطة سياسية او اقتصادية، فقد اعد
تيودور هرتزل مشروعاً آخر، مغايراً لكل ذلك. اذ اعلن عام 1897 في مؤتمر (بال)
في سويسرا عن قيام صهيونية ليست هي بروحانية ابداً بل سياسية، واستوحى خطته
من طبيعة تكوين شركات الاستعمار البريطانية، واضعاً نصب عينيه، سيسل رودس
(الذي سميت روديسيا باسمه) اكثر الاستعماريين البريطانيين نموذجية فقد كتب
الى سيسل رودس في 11/1/1902 ما يلي: "رجاء ارسل لي كلمة تشير الى انك قد
تفحصت برنامجي، وانك تقره، لعلك تتساءل لماذا كان توجهي اليك يا سيد رودس،
ذلك لان برنامجي برنامج استعماري". تلك هي نقطة انطلاق الصهيونية السياسية
فهرتزل يسعى الحصول من قوة غريبة شريعة استعمارية تضمن له مغامرته. وكان
هرتزل محقاً حينما قال في مدينة (بال): "اسست الدولة اليهودية" لان جميع
السمات المميزة لدولة اسرائيل فيما بعد، تتطابق كلياً مع المبادىء
الاستعمارية، القائمة عليها تلك الدولة. ولم توجه الصهيونية السياسية في
بدايتها خصيصاً الى فلسطين، اذ كان المقصود، حسب لغة العصر الاستعماري، هو
العثور فقط على "مساحة خالية" - اي على موطن - تحت سلطة غربية، انى يمكن عدم
الاخذ بالحسبان للسكان الاصليين. وهكذا حاول هرتزل "الحصول على الحق في
احتكار اراضي في موزمبيق والكونغو البلجيكي يضاف اليه، من بين مؤسسي
الصهيونية السياسية، كل من: ماكس نوردو، المعروف "بالافريقي" وحاييم وايزمن
الملقب "بالاوغندي" كما قامت مشاريع توطين اخرى في: الارجنتين عام 1897 قبرص
(1901-1902) سيناء (1902)، واخيراً في اوغندة (1903-1904) المعروضة على هرتزل
من قبل بريطانيا. لكن المنظمة الصهيونية العالمية لم تحسم الامر باختيار
فلسطين الا عام 1905، اي بعد انقضاء سنة واحدة على موت هرتزل. وفلسطين
الواقعة عند ملتقى القارات، كانت احد الامكنة المتاحة امام هرتزل وارضاً
قابلة للتفاوض بشأنها مع الاستعماريين في وقت تتواجد فيه تحركات استعمارية
متنافسة في منطقة الشرق الادنى من المانيا وروسيا وانجلترا.. وحينذاك طرح
غليوم الثاني مشروع خط سكة حديد (برلين، استنبول، بغداد) فيما كانت روسيا
تطمح بالمضائق لتأمين عبورها عبر السويس، وعلى حقول نفط الخليج، فراهن هرتزل
على كل المطامع الاستعمارية دفعة واحدة، وذكر في كتابه (الدولة اليهودية):
"لسوف نشكل لأوروبا جزءاً من سور يقيها من آسيا، ونصبح حرساً متقدماً لحماية
الحضارة من هجمات البرابرة" . ودولة اسرائيل - حسب تقديرات هرتزل - لا تستطيع
البقاء في الشرق الادنى غير مندمجة في كيان الا بشرط ان تكون فيه - بطريقة ما
- معتمدة من جانب استعمار غربي جماعي. ولا يتردد هرتزل، ومؤسسو الصهيونية
السياسية، في مخاطبة كل جانب - ولو كان هذا اسوأ "المعادين للسامية" - بما
يناسبه من حديث. فقد كتب هرتزل في يومياته (اعتباراً من 1895): سأقول للألمان
دعونا نرحل!.. فنحن مختلفون عنكم. انهم لا يدعوننا نندمج بالسكان. وعلى اية
حال، فلسنا قادرين على مثل ذلك". اورد الكاتب الصهيوني (أ.شوراقي) في تأريخه
لحياة هرتزل يوم 4/3/1896 ما يلي: - "في هذه الايام، اقرب الانصار الي هو
اللاسامي من بطرسبورغ، ايفان سيموني" . وعند اشارته لمستقبل الشعب اليهودي
فانه يحدده بالقول: "ان اللاساميين" كانوا محقين ولكن يجب الا نكون غيورين
منهم نحن ايضاً سنكون سعداء" .
وفي
روسيا، خاطب (ويت) وزير المالية القيصر، هرتزل بصلافة قائلاً: "كان من عادتي
ان اقول للأمبراطور السابق السكندر الثالث لو كان بالامكان اغراق ستة او سبعة
ملايين يهودي في البحر الاسود، لكنت راضياً عن ذلك كل الرضا". ومع ذلك تابع
هرتزل حديثه اليه قائلاً بانه ينتظر بعض التشجيع من الحكومة الروسية فأجابه
(ويت): "ولكن اليهود يستحقون قبل التشجيع على الهجرة مثلاً لو يتلقون ركلات
من الاقدام !!" ويعترف هرتزل بقوله:
"على
اتباع طريقة اللاساميين عندما اجاهر بأننا نشكل شعباً.. فريداً ". اما في
انجلترا، وفي اجواء وعد بلفور الممنوح عام 1917 فقد بعث (حاييم وايزمان) بهذه
الملاحظة الى وزارة الحربية "اننا بعرضنا الحل الذي توصلنا اليه انما نسلم
مصيرنا القومي والصهيوني لوزارتي الخارجية والحربية الملكيتين، على امل النظر
الى المشكلة على ضوء المصالح الملكية ومبادىء المحميات بالتفاهم ". ولإبراز
مدى التآخي والتوأمة بين العنصرية واللاسامية لا بأس من التذكير هنا بان
بلفور نفسه كان متعصباً ضد السامية ففي عام 1905 كان من بين الذين قادوا
الحملة النشيطة لتأييد (قانون الاجانب) اي لمنع دخول اليهود الروس المضطهدين
الى الاراضي البريطانية. ولم يكن يقصد من وراء وعده المشهور (الذي عارضه اشد
معارضة، الوزير اليهودي الوحيد في مجلس الوزراء وقتذاك (اللورد مونتاغو) غير
التخلص من فئات اليهود بتوجيههم الى فلسطين اذ لم يكن راضياً عن تواجدهم في
بريطانيا. وما حصل بعد ذلك من مجابهة مع الانجليز، انما كان اشبه بما حدث في
جنوبي افريقيا ضد الدولة الأم. دون تشابه بالصراع ضد الاستعمار، فحينما ثار
العرب الفلسطينيون بين عامي 1936 و1939، على التسلط البريطاني والاستعمار
اليهودي معاً، قمع الجيش البريطاني بمساعدة الميليشيات الصهيونية، تلك الحركة
الصادقة في مكافحتها للاستعمار.
لان
الصهيونية السياسية المجردة من جميع زخارف الاسطورة التاريخية التي تزعم انها
قامت على اساسها، لا تعدو ان تكون في جوهرها ظاهرة استعمارية، اما وجه
اختلافها الوحيد مع الاستعمار التقليدي (من الطراز الانجليزي او الفرنسي
مثلا)، فهو في ان المقصود هنا ليس استغلال السكان الاصليين كيد عاملة رخيصة
او كوسق لتصريف منتجات الدولة المستعمرة، بل اقامة مستعمرة للاستيطان هدفها
ليس فقط استغلال "ابن البلد" بل الحلول محله، بتجريده من ارضه وطرده منها
بغية الاستيلاء على عمله، واضطراره الى الرحيل او البقاء اعزل سياسياً،
بتطبيق التمييز العنصري ضده، وهذا ما يطابق مدلول شعارات الصهيونية السياسية
في اسرائيل: ارض يهودية، عمل يهودي، دولة يهودية!! وتعويضاً عن فقدان اي اساس
للمطالبة "بالحقوق التاريخية" يستخدم الصهاينة المذبحة التي ارتكبها هتلر بحق
اليهود اسوأ استخدام في حجة اخرى تستند هي على الاقل الى حقيقة تاريخية. من
المعقول جداً لدى الصهاينة الذين لا يحاولون تبرير عقائديتهم بالاساطير،
اهتمامهم المشروع بايجاد ملاذ لضحايا الاضطهاد، بيد انه لا يعقل حل هذه
المسألة بازالة مظلمة عبر ارتكاب جرائم اخرى، اي طرد شعب والاستيلاء على
اراضيه، لا دخل له بالجريمة الهتلرية ضد اليهود. واذا كانت اعمال الاضطهاد
والقتل، التي كان يهود من ضحاياها في عهد الحكم النازي، تتطلب تكفيراً، فلا
يعني ذلك فرض التكفير على من لا يد له في الجريمة. يظن البعض - والصهاينة
السياسيون بالذات - ان الحل الوحيد لقضية سلامة اليهود هو انشاء دولة يهودية.
وهذا غير واقعي على الاطلاق، فاية دولة عبر التاريخ كله كانت بمعزل عن
الدمار؟ كذلك حال "الممالك" الاستعمارية والمنشأة - كالدولة الصهيونية ضد
ارادة السكان الاصليين - فان اياً منها مهما بلغت قوتها العسكرية لم يستمر
بقاؤها. ثم ان تجربة العملية الاستعمارية بشأن اقامة دولة صهيونية في فلسطين،
مدفوعة - بطبيعة تكوينها العنصري - الى اتباع سياسة توسعية لتأمين "المجال
الحيوي" (اي توفير مكان لهجرات غير محدودة) هذه التجربة اظهرت خلال نصف قرن
ضرورة استمرار حالة الحرب المقرونة بتزايد القلق على المستقبل. حتى ان اشد
الامكنة في العالم تهديداً لسلامة اليهود اليوم هو، دولة اسرائيل اليهودية..
والاكثرية الساحقة من يهود العالم (80%) تعي ذلك تماماً ولهذا فهي فضلت
البقاء في اوطانها الاصلية. ورغم مرور نصف قرن على التجربة، فان عدد اليهود
الذين يغادرون اسرائيل هذه الايام هو اكبر بكثير من عدد القادمين للاستقرار
فيها. ولكن، حتى ولو وافقنا على ان انشاء دولة يهودية هو الحل الوحيد او
الممكن فما كان لأحد ان يعترض، على تقديم قطعة ارض المانية للناجين اليهود من
المذابح النازية، على سبيل التكفير او التعويض، على ان تقام على تلك الارض
دولة مستقلة تماماً، تدعمها اموال الاوروبيين المذنبين او المتواطئين!. ذلك
ان مذابح اليهود انما تخص التاريخ الاوروبي. وتحمل العار النازي اما الزعم
بالتكفير عنه على حساب العرب - البعيدين عنه ايما بعد - انما هو مبادرة
استعمارية خالصة، وهناك من يحاول تبريرها بالقول بتواصل تاريخي بين اسرائيل
التوراتية وبين دولة اسرائيل الحالية. وهو تواصل قمنا بتبيان طبيعته الوهمية.
هنا يكمن الغموض المزدوج في صميم الحجة الغربية (حجة حرق اليهود بيد الالمان)
التي يجري التذرع بها لتبرير مشروعية قيام دولة اسرائيل فوق ارض مسروقة من
العرب! حرق اليهود - او "الهولوكوست" - يشير اليه (جيرشوم شولم) في كتابه
(فكرة الخلاص في اليهودية) فيقول: "الهولوكوست واسرائيل وجهان لنفس الحدث
التاريخي". اما (ابراهام هيشل) فيقول في كتابه (اسرائيل صدى الخلود): "دولة
اسرائيل هي جواب الله على احداث اوشفتز". وهذه "المحرقة" التي يجري باسمها
تبرير مشروعية وجود دولة اسرائيل، بل وكل مفاسد سياسة زعمائها، قد راج
استخدام جريرتها الى حد يتطلب وقفة تفكير وتأميل. قبل كل شيء، فان لكلمة
(هولوكوست) نفسها صبغة دينية، فهي تعني التضحية الدينية المتمثل في تقديم
القرابين، او الاضحيات الى احد الالهة، وهذا المصطلح بعيد عن تصوير ما حدث في
المانيا خلال الحرب العالمية الثانية، لان جريمة هتلر ضد اليهود لا تتسم باي
طابع ديني، فهي قضية سياسية متصل بجملة قضايا بعيدة المدى. لكن المقصود من
ابراز "الهولوكوست" هو عزل اليهود عن بقية ضحايا هتلر في حرب ضروس قضت على
اكثر من ستين مليوناً من الرجال والنساء ومن المدنيين بشكل خاص، ابيد ثلاثة
ملايين بولوني غير يهودي واكثر من ستة ملايين سلافي غير محارب. فهل من مصلحة
اليهود انفسهم ان الانفصال عن مجموع الذين عانوا من الفاشية الهتلرية
وكافحوها؟ اذن لماذا يكون للموت طابع "مقدس" بالنسبة لواحدة من فصائل
البشرية؟! ثم ان هذا التخصيص يحجب ايضاً حقيقة الهجمة الهتلرية، لانه من غير
الممكن التعريف بالنازية عن طريق احد مظاهرها العنصرية المناهضة لليهود!!
وحيث ان نفس معسكر الاعتقال قد جمعني بصديقي برنار ليكاش، مؤسس "الرابطة
العالمية المناهضة للعنصرية واللاسامية" فأذكر ان دوافعنا كمناضلين من اجل
الحرية، كانت متماثلة، ونحن في المحنة والمعركة اخوان وحدتنا هذه الاخوة ولا
اذكر ادنى حديث مشترك فيما بيننا جرى فيه اي تنويه بانه يهودي وبأني لست
كذلك.
وقد سعد
جميع اصدقائنا رفاق المعتقل، حينما ساعده عمدة مدينة نيويورك "لاغرديا" على
استرجاع حريته. كما استشعرنا جميعاً بنفس الالم الاخوي حنيما علمنا، بعد بضع
سنوات بنبأ موته. ان اطلاق التسمية "هولوكوست" (اي محرقة القرابين) على مذبحة
اليهود لا يرمي فقط الى عزل اليهود عن بقية ضحايا الهتلرية (الستين مليون
قتيل) والى حجب حقيقة العدوان الهتلري، بل الى حمل الناس على الاعتقاد بان
هذه المذبحة ذات المسحة "الروحانية" تعود فقط الى التاريخ اليهودي باعتبارها
فترة خاطفة من اضطهاد ازلي ناتج عن اصطفاء الهي ابدي. بل تقصد هذه التسمية
الى اقتطاع تلك الجريمة من التاريخ الاوروبي، اي الى حمل الدنيا على تناسي
جرائم الامبريالية النازية - ضد اليهود وغيرهم - وهي امتداد لجرائم
الامبريالية الغربية جمعاء، بدءاً بإبادة عشرات الملايين من الهنود الحمر
الامريكيين ومروراً بتقتيل اكثر من مائة مليون زنجي في افريقيا، لنصل اخيراً
الى اختطاف عشرة ملايين من المستعبدين الى القارة الامريكية. اذاً فالابادة
الجماعية التي قام بها هتلر ضد اليهود ليست هي الاولى بين جرائم الامبريالية،
ولا تلك التي خلفت اكبر عدد من الضحايا كما ان تقديس ما حل باليهود دون
غيرهم، ليمتازوا بالهولوكوست يعني التستر على على الاسباب العميقة الكامنة
وراء تلك الابادات الجماعية، والحيلولة دون اشتراك اليهود مع بقية ضحايا تلك
الجرائم، في مكافحة جذورها، واستبعاد اسرائيل من التاريخ العالمي، واقتطاعها
بوجه خاص من العالم الثالث. عندما اعلن "ارييل شارون" في خطاب موجه الى
مندوبين يهود اجانب في لقاء تم في (غوش اتسيون): "لنا الحق في ان نطلب كل شيء
من العالم كله فنحن كيهود لا ندين بشيء لاحد بل ان الاخرين هم المدينون لنا".
اجاب (بعاز افرون) مستنكراً هذا التفريق بين اليهود و"الاخرين" اي بقية سكان
العالم قائلاً: "الاخرون هؤلاء، اي باقي العالم، سوف يردون علينا بقولهم،
انها مسألة لا تتعلق الا بكم وبالاوروبيين، ففي الصين وفي الهند وفي اليابان،
وفي افريقيا، وفي العديد من مناطق امريكا اللاتينية - اي حيث يعيش ثلاثة
ارباع سكان الكرة الارضية - قليل من الناس سمع بكم اذ لم يجر اضطهادكم، او
قتلكم، ليكون لكم اي حق. وبصراحة، فحينما تظاهرتم بذلك، كان هدفكم الاشتراك
مع البيض والاستعماريين في استغلال السود والاسيويين والهنود الحمر. واذا
اردتم تصفية الحسابات في تلك الاجزاء من العالم، فستكتشفون ديوناً مستحقة
عليكم. والافضل عندئذٍ هو التوجه الى امكنة اخرى حيث ينبغي عليكم ان تصفوا
حساباتكم مع الاوروبيين دون غيرهم فامضوا اذن لمناقشة الذين تقاسمونهم
الثقافة ودعوا "العرب" وشأنهم. وبالمناسبة هناك شيء آخر، ما الذي تفعل
بنادقكم الرشاشة "عوزي" و"جليل" بين ايدي القوات القمعية في السفادور؟"
ويستطرد (بعاز افرون ) قائلاً: "اما الاوروبيون فيستطيعون الرد عليكم: لا
تنسوا ان ملايين الروس والبريطانيين والفرنسيين قد لقوا حتفهم في صراعهم ضد
المانيا النازية وفي تغلبهم عليها، كانت نجاتكم، واذا كانوا قد شهدوا مقتل
جيرانهم، فانهم لم يعثروا لكم على اثر". وعلى العكس من ذلك، وبدلاً من
التفرقة بين اليهود وبين غير اليهود - كما كان دأب هتلر - لو اعتبر قتل
النازيين لليهود الاوروبيين جزءاً من كل، اي جانباً من المشروع الهتلري
الموجه ضد جميع الذين يدافعون عن كرامة كل انسان، عبر محاربتهم للنازية،
لارتقى موقف اليهود الى ارفع المراتب التاريخية.
تتمسك
الصهيونية السياسية "بالاستثناء" والتفرقة، تعزيزاً للفكرة القائلة بان
اليهود لا يستطيعون العيش بأمان في الشتات (دياسبورا) ولكن في دولة منفصلة
فقط. كما لو ان الدولة، وحتى الممالك، مهما بلغت من القوة، لم يجتحها احد،
ولم يلحق بها الخراب، ولم يتناهب الغزاة اهلها. ثم ليس صحيحاً ان الصهيونية
السياسية - في مشروعاتها او في انجازها للدولة - قد انقذت اليهود، بل انه تم
انقاذ اليهود من النازية بفضل انتصارات ستالينغراد والعلمين. ولولا هذه
الضربات الموفقة للاندفاع الهتلري الى الشرق، لباتت فلسطين - وضمنها
الصهيونية او بدونها - رهينة الارهاب النازي. ان السبب البعيد لهذا التزييف
التاريخي الذي قام به الصهاينة هو سبب سياسي. فالمقصود من تلك "الاستثنائية"
هو انتزاع دولة اسرائيل من المجموعة الدولية واعتماد علاقات مع بقية الدول،
لا تكون طبيعية وقائمة على التفاهم المتبادل، والمصالح المشتركة، والغايات
السلمية الخلاقة، بل علاقات استثنائية يتحكم بها الشعور بالذنب الى حد
يكفي عنده التلويح بمحرقة "الهولوكوست" ليصبح كل شيء مسموحاً به للتضحية
المختلفة من غيرها، بما في ذلك تسديد التعويض عن جرائم الامس.. ولهذا رفعت
اخيراً "المساعدات الخارجية" المقدمة من الولايات المتحدة الامريكية وحدها،
الى اكثر من (750) دولاراً سنوياً، للفرد الواحد في اسرائيل، اي اكثر من ضعف
المدخول القومي السنوي للفرد الواحد في افريقيا. وماذا يكون الحل لو جعل
الهنود الحمر الامريكيون "باقي البشر" يعوضونهم عن مذابح الابادة التي تعرضوا
لها، او لو طالب سود افريقيا "بالدين" بالمترتب على البشرية لقاء استعبادها
مئة مليون ضحية منهم؟ ونتيجة ذلك التمسك من جانب الصهيونية السياسية بالترويج
لوهم الاستثناء والتميز، كانت عزلة تامة. ترى صورتها في عزلة اسرائيل داخل
منظمة الأمم المتحدة، حيث لم تكن لتتحدى كل شيء لولا الدعم غير المشروط وغير
المحدود من الولايات المتحدة الامريكية.. ولكن، اذا توقف الدعم الخارجي ذات
يوم (كما حدث في الماضي مع الصليبيين، بشأن الاسلحة والاموال) فان الارتباط
المالي والعسكري للدولة الصهيونية سيكون له من التأثير ما يكشف عن اسوأ كارثة
تكون اعدتها الصهيونية السياسية لليهود جميعاً. وللتستر على هذه الحقيقة
الرهيبة، يعمد الزعماء الاسرائيليون الى استخدام كل الوسائل لتصوير انفسهم
وكأنهم كل يوم على حافة الزوال (في محرقة هولوكوست جديدة!!). وفي سبيل ذلك،
فهم بحاجة الى اذكاء السامية في الخارج والى التهويل "بالتهديد العربي" في
الشرق الاوسط. بينما امتدت مذابحهم، من دير ياسين الى صبرا وشاتيلا. وهكذا،
فان الزعماء الصهيونيين الاسرائيليين، سواء نسبوا انفسهم الى اليسار ام الى
اليمين، او كانوا اعضاء في الحزب العمالي ام في "الليكود"، او كانوا ناطقين
باسم الجيش او باسم الحاخامية، يتذرعون دوماً وابداً بذرائع توراتية لتبرير
كل مطالبة بأرض لانه يكفلها لهم "حق الهي" بامتلاك فلسطين. ويجري كل هذا، كما
لو ان بالامكان ابراز صك هبة مهور من الله، من شأنه اثبات حق نزع الملكية من
كل شاغل لتلك الارض. هذا المفهوم "للوعد" وكذلك وسائل تحقيقه (كما يستقيها
زعماء الصهيونية السياسية من كتاب يوشع، ومن الانتصارات التي حققتها بأمر
الرب وعونه، في استئصاله شأفة الشعوب السابقة) وبالاضافة الى مسائل "الشعب
المختار" و"اسرائيل الكبرى من النيل الى الفرات"، كل هذا يشكل الاساس
الايديولوجي للصهيونية السياسية. وقد دأب الاستعماريون في كل الزمان وبين
جميع الشعوب، على تدبير "تبرير" لكل ما يقومون به من استيلاء على الاراضي
واغتصابها والتحكم بها، وكانت حجتهم، دوماً هي التفوق الثقافي الذي يخول
الغازي حق القيام "بمهمة حضارية" يضطلع بها بنو جنسه ازاء الآخرين. كما كان
التحجج بالدين ونشره مساعداً قيماً في عملية الغزو الاستعماري، وعلى الاخص،
في احكام سيطرة مجموعة اجتماعية على مجتمع آخر. وعندما يكون الشعب "مختاراً
من الرب" موظفاً لدى المطلق، يمكن ان يبيح لنفسه كل شيء. فالفرنسيون هم اليد
التي يحركها الله، وهم الصليبيون. واسبانيا الملوك شديدو التمسك
بالكاثوليكية، هي بلد محاكم التفتيش وابادة هنود امريكا الحمر. و"روسيا
المقدسة" هي مرتبكة المذابح بحق اليهود (البوغروم)… و(الله معنا) كان شعار
المانية بسمارك، قبل ان تصبح المانية هتلر ومعتقلات "اوشفتز".
وكان
الكاردينال سبلمان يخاطب الامريكيين المرسيلن الى فييتنام بقوله: "انتم جنود
المسيح"؟! وفي عام 1972، كان (فورستر) رئيس وزراء جنوب افريقيا، الشهير
بتمييزه العنصري المتوحش، ينادي: "لا ننسى اننا شعب الله، المرصود لأداء
رسالة". وفي مأثورات الدين اليهودي: "الاختيار" هو اصلاً "اختيار بواسطة
العذاب" وهو بحث روحي رفيع، يعود الى المسؤولية والتضحية لدى من تلقى امانة
الرسالة الالهية. ولكننا نذكر مرة اخرى بان انتقادنا موجه كلياً الى
الصهيونية السياسية التي تستغل موضوع الاختيار - بما فيه الاختيار بالعذاب -
(كما سبق ايضاحه عند الحديث عن الاستغلال السياسي للهولوكوست) باستعلاء
استعماري، يتمثل دائماً في دأب الاستعمار على التبرير، نظراً لادعائه تحمل
المسؤولية والتضحيات المؤلمة، وهذا ما كان (روديارد كبلنغ) مثلاً يعنيه "بعبء
الرجل الابيض".
وتعتبر
فكرة "الشعب المختار" صبيانية، من الناحية التاريخية. لان جميع الشعوب قد
عبرت في الكتابات الصادرة، عن تحسسها لتميز خاص بها، يصور الواحد منها بانه
هو "المختار" فلماذا يؤخذ بكتابات شعب، ولا يؤخذ بغيرها؟
وكذلك
فكرة "الشعب المختار" - ايضاً - فهي اجرامية، من الناحية السياسية، اذ تكرس
مشروعية الاعتداء، والتوسع، والتسلط.
كذلك لا
يمكن تحمل فكرة "الشعب المختار" من الناحية اللاهوتية، اذ ان افتراض وجود
"مختارين" يستتبعه وجود "مقصيي".
وكل
سياسة تدعي قيامها على الوهم، تقود اذن الى انكار الآخرين ورفضها. وليست
العزلة ديناً، لان الانسان المنعزل، المكتفي بنفسه، لا اله له على الاطلاق.
والاستعمار الصهيوني لا يشذ عن هذه القاعدة، فلقد رأينا كيف يجزم الصهاينة
بإنكار اي وجود للشعب الفلسطيني (غولدا مائير) وبطرده ومطاردته، من دير
ياسين ومن بيروت (بيغن) في انتظار ما يتبع. وما يشد الانتباه، في ظاهرة
توجيه الاهتمام الاسرائيلي الى بعض نصوص التوراة، تشكيل الصهيونية السياسية
في الاصل رداً على احتجاج ديني يهودي من جانب الحاخامات عام 1897، اذ يرى في
استعادة ارض فلسطين بواسطة المال والسلاح، خيانة لأسمى قيم اليهودية وانبلها.
وعندما بدأ "تيودور هرتزل" حملته عام 1880، استبعد اقتراح عقد مؤتمر في
ميونيخ، نتيجة لمعارضة الحاخامين الالمان، القائلين بان "محاولة تأسيس دولة
قومية يهودية في فلسطين، هي مخالفة لوعود اليهودية بالخلاص" . وكان (البرت
اينئشتاين) قد قال في الثلاثينات: "برأيي ان التوصل الى اتفاق مع العرب على
اساس حياة مسالمة مشتركة، هو اكثر حكمة من انشاء دولة يهودية. فما اعهده في
جوهر الديانة اليهودية يصطدم بفكرة دولة يهودية ذات حدود وجيوش ومشروع سلطة
زمنية مهما كانت متواضعة. كما اخشى الاضرار العميقة التي ستلحق باليهودية
نتيجة تغلغل القومية ضيقة الافق، في صفوفنا. فنحن لسنا ابداً يهود عصر
المكابيين. وعودتنا من جديد الى تشكيل امة بحسب المعنى السياسي للكلمة، انما
تعني النكوص عن روحانية طائفتنا. التي ندين بها لعبقرية انبيائنا" .
ان
الاكثرية الساحقة من الاسرائيليين في الوقت الحاضر لا تشارك لا في العقيدة
اليهودية ولا في طقوسها.
كما ان
مختلف "الاحزاب الدينية" - التي تؤدي دوراً حاسماً في دولة اسرائيل - لا تضم
سوى اقلية ضئيلة جداً من المواطنين. ولهذه المفارقة البينة تفسير يورده
(ناثان ونستوك) في كتابه عن الضرر الذي الحقته الصهيوني بإسرائيل فيقول: "اذا
كان التعميم الحاخامي ينتصر في اسرائيل، فذلك لان التدين الصهيوني لا يستطيع
التماسك دون سند من الديانة الموسوية. والغاء مفاهيم "الشعب المختار" و"ارض
الميعاد" يقوض اركان الصهيونية. وهذا يفسر السبب في استقاء الاحزاب الدينية
قوتها من التواطؤ مع الصهاينة الغنوصيين - اللاأدريين رغم ما في هذا من
مفارقة منطقية. كما ان التماسك الداخلي للتركيب الصهيوني في اسرائيل، قد فرض
على ساستها تقوية سلطة رجال الدين.. فبإيعاز من بيغن، كان الحزب الاجتماعي
الديمقراطي (ماباي) هو الذي وضع دروس الدين الالزامية وفقاً لمناهج التعليم،
وليس الاحزاب الدينية" النتيجة الرئيسية لهذه الاستحالة في الفصل بين الكنيس
والدولة، تمثلت في ان دولة اسرائيل لا تزال دون دستور، رغم مرور 44 سنة على
انشائها. وذلك "من اجل تجنب المجابهة مع احزاب القسس، التي تطالب بجعل
التوراة القانون الاساسي للدولة. وهذا الطابع الطائفي التمييزي ينسحب على
المبدأ الاساسي للدولة الصهيونية. مبدأ تحديد "اليهودي" الذي يستطيع وحده
الافادة من شرعة (العودة).
قانون "العودة" هذا
(5710-1950) يشترط ما يلي:
اولاً: لكل يهودي
الحق في الهجرة الى اسرائيل.
ثانياً:
استجابة لمطالب هذا القانون، يعتبر يهودياً كل شخص مولود من ام يهودية او
متحول الى الديانة اليهودية، ولا يتبع اية ديانة اخرى" اذن لا معيار آخر سوى
المعيار العنصري (انتقال الدم من الأم) او الديني (التحول) الذي لا يعتد به
الا اذا تم التهود على يد حاخام تقليدي (اي غير مجدد). وايديولوجية التبرير
الخاص بالصهيونية، تتذرع بالوعد الوارد في سفر التكوين (15-18): "في هذا
اليوم، عقد المولى تحالفاً مع ابراهيم بموجب هذه الكلمات: لذريتك سأعطي هذه
البلاد، من نهر مصر حتى النهر الكبير، نهر الفرات". وقد سبق لنا التذكير بانه
لا يوجد خارج "العهد القديم" انه اشارة او وثيقة تعود الى هذه الحكاية
القديمة عن اسرائيل. مما يستوجب التساؤل: اتستطيع انه مجموعة بشرية مهما كانت
ان تفرض على بقية الشعوب القبول بمجرد ايمان تلك المجموعة بتقاليدها الموروثة
كقاعدة لوجودها؟ هذا فضلاً عن ان جميع شعوب الشرق الاوسط (من بلاد ما بين
النهرين الى مصر، مروراً بللاد الحثيين) قد عرفت نفس الوعود المعطاة لابراهيم
من ارض وذرية. فلماذا لا يتذرع السوريون - كحق تاريخي والهي عائد اليهم -
بالوعود التي اعطتها الآلهة "آرينا" (موطدة حدود البلاد) "لأجدادهم" الحثيين
(الذين دامت مملكتهم قرابة الالف عام من القرن الثامن عشر الى القرن الثامن
ق.م، خلافاً لمملكة داود وسليمان)؟ ولو فعل السوريون مثل ذلك، لاعتبرنا
مزاعمهم تلك مضحكة حقاً. فلم نتخذ موقفاً آخر ازاء نصوص مماثلة عائدة لحضارة
مجاورة، اللهم الا اذا كنا نعتقد - حقاً او باطلاً - بأننا ورثتها؟! من
البداية، يجب اذن ان نعتبر هذه القراءة للتوراة قراءة قبلية اي قراءة ترى
سلفاً ان مأثورات قبيلتنا هي وحدها الصحيحة شرعاً، ومأثورات القبائل الاخرى،
حتى المجاورة منها، غير موجودة اصلاً. ان قراءة كهذه للتوراة، مقتطعة من اطار
المضمون الكلي لأديان الشرق الاوسط، هي قراءة انتقائية، نظراً لاختيارها
فقرات معينة، تبرر تصرفاً حالياً، ونظراً لاستبعادها بلداً م لانها تدينه.
صحيح ان في "العهد القديم" قصصاً تبرر - اذا ما اعتبرت نموذجية - مذابح
(اورادور) و(دير ياسين) وشراسة الاحتلال والابادة. الا ان كتاب يوشع الذي
غالباً ما تستند اليه الحاخامية العسكرية الاسرائيلية في الدعوة الى الحرب
المقدسة، ويعممه التعليم المدرسي يلح على الابادة المقدسة لسكان البلاد
المغلوبة، بتمرير رقاب الجميع على حد السيف "الرجال منهم والنساء، والاطفال
والشيوخ" (يوشع 6/21) عند حديثه عن اريحا وغيرها من المدن. ويقص علينا كتاب
"الاعداد" (31-9/18) مآثر "بني اسرائيل" المنتصرين على اهل مدين.
والذين
"قتلوا جميع الرجال - كما امر الرب موسى - واسروا النساء، وحرقوا كل المدن".
وحينما عادوا الى موسى "غضب موسى منهم وقال: ماذا؟ لقد ابقيتم جميع النساء
على قيد الحياة؟ حسناً، هيا اقتلوا الان كل الصبيان، وكل النساء اللاتي جمعهن
بالرجال حضن الزوجية. اما الفتيات فاستبقوهن لأنفسكم" (15-18).
هذه
الروايات هي من صنع اللاهوتيين الذين ارادوا الافصاح عن ايمانهم برب لا يقهر،
رغم هزيمة شعبه. بينما كان الاشوريون يرون في انتصارهم انتصاراً لإلههم،
آشور، على "يهوه" المهزوم. لذا، شدد لاهوتيو عصر المنفى على القول بان السبب
في هزيمة شعبهم لا يعود الى ضعف الههم "يهوه" بل الى معاقبة "يهوه" لهذا
الشعب الخائن له. ان تكاثر حكايات المذابح والابادات المقدسة يشكل انتقاداً
للطريقة التي كان الملوك يقودون بواسطتها الحروب ويستفيدون منها. ففي مفهوم
"الحرب المقدسة"، لا يجوز جني الفوائد من الانتصار. وهذا اعتقاد وتطبيق
مألوفان في ذلك العهد، في ذلك الجزء من العالم. "اللعنة" التي تستتبع استئصال
المغلوبين وقطعان ماشيتهم ايضاً، فهي الحنث باليمين المتمثل في التخلي عن كل
غنيمة تتوفر بعد نصرالله، فلا يباع المهزومون كعبيد، ولا يستولى على ماشيتهم،
بل يدمر كل شيء… وهذه هي الابادة المقدسة!! وكمثل واحد، بين العديد من
الامثلة، على ذلك التلفيق للأساطير التاريخية، يبرز "احتلال اريحا" وما نسج
حوله من خرافات كأبلغ مثال في هذا المجال. بعد ما اثبت علم الآثار ان "اريحا
قد دمرت في القرن الرابع عشر ق.م. اي انها كانت جرداء قاحلة في عهد يوشع"
ومع ذلك، تستخدم هذه الترميمات التاريخية في المدارس الاسرائيلية، لتنمية
بذور التعصب في نفوس الناشئة.. فقد اجرى العالم النفساني (تاماران) - الاستاذ
في جامعة تل ابيب - الاختبار التالي: وزع على اكثر من الف طالب في فصول
دراسية تتراوح ما بين الصفين الرابع والثامن (حيث يدخل كتاب يوشيع في
المنهاج) قصة مذبحة اريحا كما رواها يوشيع.
وطرح
السؤال التالي "لنفترض ان الجيش الاسرائيلي يحتل قرية عربية اثناء الحرب،
افيجب عليه ان يذيق سكانها نفس المصير الذي رصده يوشع لسكان اريحا؟" -
وتراوحت الاجابات بـ"نعم" بين 66 و 95 بالمائة، حسب انتماء الطالب للمدرسة او
للكيبوتز او للمدينة . وكان لنشر نتائج هذا الاستفتاء، الذي كشف عن الوجه
الحقيقي لذلك المجتمع، ثمن باهظ، اداه الاستاذ "تاماران" عندما وجد نفسه
مطروداً من الجامعة!. وهذا هو غسيل للادمغة في المدارس، يتم بدعم من
الحاخامية والجيش. واثناء الغزو الاخير للبنان، لم تكف هيئة التوجيه العسكري
عن الدعوة الى الحرب المقدسة التي اعطى خلاصة مراميها حاخام (برتبة ضابط)
بالقول:
" علينا
ان لا ننسى المصادر التوراتية التي تبرر هذه الحرب وتواجدنا هنا. اننا ننجز
واجبنا الديني اليهودي (ميتزفا) بتواجدنا هنا.. وفقاً لما هو منصوص عليه من
ان الواجب الديني (ميتزفا) يقضي بإخضاع الارض ودحر العدو" .
اذاً
اننا امام قراءة انتقائية من التوراة، لا نقدية، ولا تاريخية، لا نتناول سوى
ما يمكن ان يضفي الشرعية على الغزو وعلى اساليبه الوحشية. وان في "العهد
القديم" مرويات اخرى تتسم بروحانية مغايرة تماماً.
قبل كل
شيء، وفي ما يتعلق بالوعد او الميعاد، تتضاءل نظرة ابراهيم الى نفسه كمالك
لارض كنعان، الى حد مغالاته في مجاملة "افرون" الحثي في حيرون الخليل، ليشتري
منه حقلاً في "المكفيلة" لقاء قبر يدفن فيه زوجته سارة (سفر التكوين 3-20)
مثل آخر على تلك الازدواجية في المرويات:
قيل في
كتاب القضاة (1-8) ان ابناء يهودا، بعد موت يوشع، استولوا على اورشليم القدس
وابادوا سكانها.
ثم قيل
عكس ذلك في نفس الكتاب (1-21). اما بالنسبة لليبوسيين، الذي كانوا يسكنون
اورشليم مع ابناء بنيامين منهم ما يملكون، واقام اليبوسيون في اورشليم مع
ابناء بنيامين حتى يومنا هذا. كذلك نرى في ثاني كتاب لصموئيل، عدم اكتراث
داوود للأرض بانها "موعودة" الى حد شرائه - من ملك اليبوسيين، في هذه
الرواية، هو "آرينا" حقلاً لبناء الهيكل فوقه لقاء 50 شيكلاً من الفضة
(24/4). ويحكي الكتاب الاول من الحوليات كيف ان داوود اشترى تلك القطعة من
الارض (21/18-25) وان ملك اليبوسيين هذا هو "ارنان" وان الثمن كان (600)
شيكل، فان مثل هذا التناقض لا يعتد به لان ما يهمنا بهذا الصدد، هو ان داوود
لا يتصرف كمالك، ولا يسعى ابداً لطرد السكان الاصليين، بل انه، على العكس،
يتفاوض بمنتهى الكياسة واللطف - كإبراهيم من قبل -. والامر نفسه بالنسبة
للأساليب.. فكتاب القضاة يورد عن الدخول الى ارض كنعان رواية مناقضة لما
يرويه كتاب يوشع، الذي يشير الى ان القبائل المتحدة تحت لواء دولة واحدة،
وقيادة واحدة، كانت اثناء مرورها تقتل السكان. بينما يشير كتاب القضاة الى
الدخول الى كنعان بدأ بتسلل بطيء مسالم على الاغلب، وعنيف احياناً ولكن دون
مجابهات كبيرة مع سكان المدن الكنعانية، المزودة بعربات قتال يصعب منالها على
القبائل الرحل، التي تعمل كل منها لحسابها الخاص. ونشيد انتصار "ديبورا" -
الوارد في الفصل الخامس من كتاب القضاة - هو احد اقدم نصوص العهد القديم،
وشبه بالالحان الحربية لدى المصريين في عهد تحوتمس الثالث ورمسيس الثالث.
ومقطع نادر في رواية مآثر النصر، اذ لا تهيمن عليه عقلية الحرب المقدسة،
والابادة المقدسة، كما تهيمن على رواية يوشف، فيه دعوة متكررة بعيدة عن
الاستئثار، ورفض الاندماج، والغاء وجود الاخرين وتحطيمهم، تنادي "احبوا
الاجنبي. لانكم كنتم في بلاد مصر اجانب" كما ان فيه مناهضة لكل تمييز: "سيطبق
نفس القانون على المواطن وعلى الاجنبي المقيم بينكن". فالتحرير لا يعني ابداً
الحلو محل الطغاة السابقين.
"غير
يهود.. قتلوا غير يهود"ز
تصريح بيغن عقب مذابح صبرا وشاتيلا
27 سبتمبر 1982).
ليس
هناك شارح جاد لا يقر اليوم بان اقدم النصوص التوراتية المسماة بمصدر "يهوه"
قد تم وضعها فيما بعد، في عهد سليمان، ونتجت عن تجميع احاديث تناقلها الرواة.
وهذه الروايات التوراتية الناقلة لملاحم حدثت قبل عدة قرون تصبح، بعد اخضاعها
لمعايير "الموضوعية" التاريخية - فاقدة للمضمون التاريخي ولا تحمل منه اكثر
مما تحمله "الالياذة" او "الراميانا".
ووفقاً
لوجهة النظر هذه فانها تبدو من الزاوية الايجابية التاريخية تبدو محدودة
الافق، مجردة من العاطفة، ولا تكترث الا "بالاحداث" دون "المعاني". كما تنعدم
فيها كل حقيقة تاريخية ينطوي عليها "الوعد" المعطى لابراهيم، و"التحالف"
و"الاختيار" والتضحية بابنه اسحاق، و"الخروج"، وشخص "موسى" نفسه!
اذن،
فمن وجهة النظر العملية (بالمعنى الضيق للكلمة، اي بمعناها الايجابي
التجريدي) لا يتبقى شيء على الاطلاق من الوعد، والاختيار، والتحالف ومن كل
تاريخ اسرائيل حتى حكم داوود.
ولكن،
ونعلى العكس من ذلك، لو القينا نظرة شاملة على التاريخ، نظرة انسانية محضة،
اي لو بحثنا في اروقة الماضي عن كيفية صيرورة الانسان انسانياً. وعن
المبتكرات "الشعرية" التي سعى الانسان بواسطتها - وخلافاً لباقي المخلوقات
الحية - الى اكتساب معنى لحياته، وعن صور البطولة والتقديس التي تصورها او
عاشها لبلوغ الحد الاقصى من تحقيق الذات، عندئذٍ تحقق المشكلة التاريخية نقلة
الى الامام.
وليست
المشكلة في ان نعرف ما اذا كان ابراهيم قد ولد فعلاً في "اور" بأرض "كلدانية"
(وهي مغالطة تاريخية، على كل حال وما اذا كان خط سيرته هو الموصوف لنا، وما
اذا كان الرب قد تجلى له (وبأية صورة؟) ليعده ويهبه ارضاً او ذرية.. او ان
نعرف اي جبل كان فوقه "شوك النار" لدى موسى، وما اذا كان (يوشع) هو القائد
العام للقبائل وقاتل الكنعانيين (كما صار آخرون، بعد قرون عديدة، قتلة الهنود
الحمر الامريكيين؟)..الخ.
ان
المشكلة مختلفة كلياً ولا تستبعد الالتزام بالدقة العلمية الاكثر الحاحاً بل
تفرضها وتفترضها سلفاً، وهي التالية:
في اي زمن، وفي اية احوال تاريخية، وفي اية جماعات بشرية ومن اجل اي هدف،
اختلفت هذه الروايات التأسيسية، والحاسمة بالنسبة لتشكيل الانسان والحياة
والابطال الحقيقيين او الاسطوريين؟
ان
اليهود قد استطاعوا ان يتصوروا وان يبدعوا
صوراً خرافية شفوية منقولة عن
اجدادهم. ولقد عملوا على
تطبيق خرافاتهم
على أرض الواقع التي تهدف فعلا الى ابادة الشعب الفلسطيني
لللاستلاء على وطنه ممارسة
للخرافة اليهدية المسماة ب
"الأرض
الموعودة"
(على طريقة سند الملكية، او برنامج سياسي، يشبه ما تجهر به الصهيونية
السياسية من مزاعم مضحكة قاتلة) بل لتقبل.
واذا
قبلنا بما يقره المفسرون العلميون المعاصرون من تاريخ يثبت ان اقدم مسجلي
الاحداث الجارية، من يهوه، لم يدون شيئاً قبل عصر الملك سليمان، فاية "رسالة"
كان يقصد تبليغها لمعاصريه ؟
ويرى
البعض - مثل فون راد، في كتابه عن "لاهوت العهد القديم" - تأكيداً لشرعية
ملكية داوود في نص اليهودي (دحضنا لتطلعات التجمعات القبلي السابق) وآخرون -
مثل "البير دي بوري" يؤكدون على الجانب النقدي، لا الحماسي، من مدونات
الـ"يهوه"، الذي ينوه بان تدبير الله و"وعده" سيحققان رغم دناءة الذين قد
اختارهم. كما يبين هفوات صدرت ضد "الوعد" نفسه، حتى من ابراهيم بالذات، اذ لم
يلتزم اثناء اقامته في مصر بجانب الوعد، الارض، (التي تخلى عنها) والذرية
(التي يهددها تخاذله بإدخاله زوجته سارة على انها اخته الى حريم فرعون
للزناء حسب الخرافات اليهود )
(سفر التكوين: 123/10-20).
ان
عدم كون الرسل - وعلى رأسهم ابراهيم - شخصيات تاريخية، وكون التحالف، والوعد
والاختيار، اقرب الى الاسطورة منها الى التاريخ.. فهذا لا يمنعنا من التساؤل
حول ما تعنيه هذه الاساطير الوهمية، بل يدعونا للإستفسار عنه. فالتحالف هو
قضية العلاقة بين الانسان وخالقه، والوعد هو، قضية العلاقة بين تقدير الله
وتدبير الانسان، والاختيار، قضية مسؤولية الانسان المتسافي. كما جاء في
القرآن، وفي آيات عديدة منه، القول "وما ارسلنا من رسول الا بلسان قومه ليبين
لهم، فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم" . والتوراة، بعد
تنقيتها تكشف لنا عن روايات متتابعة للوعد والارض الذرية.. في البداية، وعد
الرعاة البدو، بأرض يستطيعون الاستقرار بها (كما جاء في سفر التكوين
38/10-22) وهو وعد لا ينطوي ابداً على غزو او فتح عسكري وسياسي للبلاد، بل
على مجرد الاستقرار لا تبريراً للغزو
و لسيادة "الشعب
المختار".
ان الارض ملك الله وحده:
"اراضي البلاد لن تباع بلا رجعة، لان البلاد هي لي. ولستم سوى مهاجرين وضيوف"
(سفر اللاويين 25/23) ومن اجل قطع سيطرة الانسان
على الارض، قضى الله باستعادة الارض وتوزيعها من جديد في كل يوبيل
زمني (اي كل 49 سنة) "ليتم تحريرها في اليوبيل، ويعود للانسان ما يخصه".
والسلطة، كالارض تتعلق بالله وحده، وفي الكتاب الاول لصموئيل (8-10/18) حذر
صموئيل الشعب من التنازلات التي يقتضيها انشاء نظام ملكي.
ان هذا "التحرير" الحقيقي ازاء التملك والسلطة، هو الدرس الكبير
المأخوذ عن خروج موسى:"لن تتصرفوا ابداً كما كان
يتصرف اهل مصر، حيث اقمتم" (اللاويون 18-3) "فالتحرير" ليس هو انتقال التملك
والتسلط الى يد اخرى، وصيرورة مضطهدي الامس الى مضطهدي اليوم. تلك هي رسالة
الأنبياء الرائعة الى
البشر، والتي خانتها وشوهتها
اليهودية بتحريفها الجذري لمعنى الوعد.
وكان
(كارل بارت) قد كتب بان كل حديث لي عن الله. انما يقوله انسان،
أي انسان معرض للخطأ، بعبارات مؤقتة دائماً، قابلة للمراجعة
وعديمة
الكمال. كما كتب كيركغارد "قصدت ان استقي من قصة
ابراهيم الجدلية المنطوية عليها، للتحقق من اي تناقض غريب يتكون الايمان.
تناقض تتحول الجريدة بموجبه الى فعل مقدس مرضٍ لله. تناقض يرد لابراهيم ابنه
اسحاق. تناقض لا يحد منه اي منطق عقلاني، لان الايمان يبدأ بالضبط حيث ينتهي
التفكير العقلي".
ان
عقيدة ابراهيم ليست "ميراثا"
يمكن لشعب ما ان يطالب به، او جنس بشري، او منشأة، او كنيسة.
ان اليهود يزورون و
يعزلون من التوراة نزعات قومية عدوانية وعنصرية
معينة.
ان
تعريف القرآن بذرية ابراهيم هو الافضل، عندما لم يقم وزناً لا لصلة الرحم ولا
لتوارث الارض، بل جعل المشاركة في العقيدة الواحدة هي الاساس، حين لبى
ابراهيم نداء ربه، "فلما بلغ معه السعي قال يا بني اني ارى في المنام اني
اذبحك فانظر ماذا ترى، قال يا أبتِ افعل ما تؤمر ستجدني ان شاء الله من
الصابرين" (سورة الصافات 102). فبمثل هذا التسليم غير المشروط يكون تسليم كل
امر انساني لتقدير الله وقضائه، وبهذا كانت البداية بالنسبة لذرية ابراهيم.
"غير
يهود قتلوا غيريهود"…
هكذا وصف مناحيم بيغن،
مذابح صبرا وشاتيلا، في 17/9/1982، في بيروت.
كتبت السيدة شولاميت آلوني، النائبة في الكنيست،
في مقال بالجريدة الاسرائيلية "يديعوت احرونوت"
عدد 25 حزيران 1978:
- "يحدث كل هذا، كما لو انه يرمي الى ادخال فكرة في اذهان يهود اسرائيل تقول
بوجود فارق نوعي ومعياري بين اليهود وبين غير اليهود. ذلك هو المبدأ الذي
يحكم جميع قوانين الدولة وتنظيماتها بشأن السياسة الداخلية، والاحوال الشخصية
والعائلية، ومقاييس المواطنة. وهذا المبدأ هو الذي يملي علينا تصرفاتنا تجاه
الاسرائيليين والعرب، والبدو، وسكان الضفة الغربية، وغزة. كما يملي وسيلتنا
في الاستجابة لمطامحهم. ان اي سوء استخدام للقانون اليهودي لن يستطيع اسكات
الذين يحسنون التميز بين شريعة الكهان وبين رؤيا الانبياء. ونحن لن نسمح لاي
كان ان يحول اسرائيل الى معزل (غيتو) ديني، بمزاعم الخلاص المنظر، يهزأ
بالسنن الشاملة للانسانية وللقانون الدولي".
هذه
الصرخة تفضح الانحراف الفكري في اسس اليهودية، الناتج عن توظيف الصهيونية
السياسية للخرافات والاساطير في تحقيق اغراضها.
والواقع، ان مجمل سياسة دولة اسرائيل الداخلية والخارجية، مستمد - وفق منطق
محكم - من الخاصيتين الاساسيتين لليهودية باعتبارها
ظاهرة عنصرية استعمارية صرفة، متخفية بزي
"ديني"
عقائدي مزيف لتبرير سياسة قومية وعنصرية.
ان
عنصرية اليهودية نظام شديد التماسك، تستمد منه
دولة اسرائيل تشريعها وتطبيقها لكل قوانينها.
وهذه
العنصرية هي المبدأ المكون لمشروع "تيودور هرتزل"
كما كشف عنه كتابه "الدولة اليهودية" وكذلك "يومياته".
لقد هاجم
هرتزل بضراوة "اندماج" اليهود في المجتمعات التي يعيشون
فيها دفاعا عن الفكرة القائلة بان اليهود
غير قابلين للاندماج في غيرهم، لذا، يتوجب عليهم الانعزال من اجل تشكيل دولة
يهودية منفصلة.
وتحقيقاً لاهدافه، لم يكن هرتزل ليتردد في استخدام لهجة خاصة تناسب كلا من
مفاوضيه على حدة، لاقناعه بما يمثله اليهود من مخاطر تستوجب تسهيل رحيلهم .
ففي
لندن مثلاً اكد هرتزل بان لحل الصهاينة للمشكلة اليهودية "ابعاد خطر اندلاع
ثورة تبدأ مع اليهود، ولا احد يعلم اين تنتهي". وهذا ما قاله هرتزل لوزير
خارجية المانيا فون بولو، ولغليوم الثاني، ولوزير داخلية روسيا بليف، وللقيصر
نقولا الثاني.
و حث
السلطان العثماني لكي يدع اليهود يدخلون فلسطين.
و قبل
كسبه اليهودي روتشيلد ، مناصراً للصهيونية عام
1902، كان يمارس عملية ابتزاز حقيقية بالتهديد والوعيد، ازاء كبار رجال المال
اليهود. حينما كان يرسم في "جريدته" او يومياته، خطة حملة تدور مثلاً حول "آل
روتشيلد، نموذج موضوعي لما يمثله هذا الاخطبوط من تهديد للعالم".
كذلك،
وفي سبيل تعميم الفكرة القائلة بان اليهود غرباء في البلاد التي يعيشون فيها
كتب هرتزل: "ان بطل الوطنية الاكبر في بريطانيا هو كبير حاخامي لندن آدلر،
الالماني. ودروس الوطنية الروسية، كان يعطيها حاخام برلين الدكتور ميبوم وهو
هنغاري. ومؤخراً، انضم حاخام بروكسل الى المعارضة البلجيكية واسمه (بلوخ) لا
يدل على انه فلمنكي او فالوني". ان اشد الناس عداء لليهود
لن يسعهم كتابة أكثر من ذلك.
وسنرى،
فيما بعد، كيف ان فكرة هرتزل هذه بقيت احدى ثوابت الصهيونية اليهودية
حتى يومنا هذا. فمنذ ان نزعت الصفة العقائدية عن اليهودية، واصبحت قومية، زال
الاعتماد على الدوافع الدينية نحو "عودة الى ارض صهيون" ويجب، المناداة
"بقومية متجاوزة للوطن" تظهر اليهود كغرباء وسط الشعوب التي يعيشون بين
ظهرانيها لتنشيط الهجرة و تشجيعها!
وعند
موت هرتزل، احجم منفذو وصيته عن نشر النص الحرفي ليومياته كلها. الا انها
نشرت كاملة في المانيا، عام 1922 و1923، في ثلاثة مجلدات مشؤومة. وعند
ظهورها، قال الكاتب النمساوي جوزيف صموئيل بلوخ، الذي عرف هرتزل عن كثب: "ان
رسائله الى روتشيلد والبارون هرش، واعترافه فيها
بان اليهود يدبرون سرية فتنا في كل بلد يقيمون
فيه، تكفي لتحطيم الشعب اليهودي. ان "يومياته" لأمر رهيب!".
ومنذ
انشاء دولة اسرائيل، عام 1948، لم تعد عنصرية الصهيونية السياسية تكتفي
بالعمل على بتنضيم يهود العالم اجمع، بل تجاوزت
ذلك لتشمل تنضيم ابادة الشعب الفلسطيني، الذي تنفي
الصهيونية وجوده وحق وجوده أصلاً.
وبهذا
السؤال، فتح فصل جديد للمشكلة المثارة من جانب الصهيونية السياسية: كيف تنشأ
اغلبية يهودية في بلد مأهول بمواطنين اصليين عرب فلسطينيين؟
لقد
جاءت الصهيونية السياسية بالحل الوحيد المستمد من برنامجها الاستعماري، اي
اقامة "مستوطنات"
يهودية عن طريق طرد و ابادة الفلسطينيين
كشعب، واستقدام واحلال مهاجرين يهود
محلهم:
ان طرد الفلسطينيين، والاستيلاء على ارضهم،
كان عملاً مقصوداً ومنظماً، فقد كتب يوسف ويتز، مدير الصندوق القومي
اليهودي، المكلف
باستملاك الاراضي في فلسطين، كتب في عام 1940 ما يلي:
- يجب
ان يكون من الواضح لنا بانه لا يمكن وجود مكان لشعبين على
هذه الارض، فاذا تركها العرب، فانها تكفينا.. ليس
هناك من وسيلة اخرى لاخراجهم جميعاً. يجب توضيح الامر امام روزفلت وغيره من
رؤساء الدول الصديقة، بان ارض اسرائيل لن تكون صغيرة حينما يخرج منها جميع
العرب، ويدفع بالحدود نحو الليطاني شمالاً، ونحو مرتفعات الجولان، شرقا" .
ذلك هو
البرنامج الموضوع قبل انشاء دولة اسرائيل. اما تحقيقه، على الصعيدين السياسي
والاقتصادي، فيستجيب تماماً للتعريف الذي اعطاه، "اسرائيل شاهاك،
الاستاذ في الجامعة العبرية بالقدس، في نوفمبر 1981، اذ قال: "في الاصل، اسس
دولة اسرائيل يهود يرون بان لا حقوق هناك لغير اليهود.
كما ان لمعظمهم مفهوماً خطيراً للنصوص التوراتية، دعاهم الى القول:
"اننا لم نفعل اكثر من استعادة الارض التي سبق ان اخذناها عنوة من
الكنعانيين". وهنا يستطرد الاستاذ اسرائيل شاهاك،
قائلاً: "وهذا بالذات موقف عنصري اساساً، يختلط فيه الشعورالعنصري
الحاد بتفوق اليهود على غير
اليهود. وقد تفاقمت هذه النزعة، منذ عام 1974، مع تصاعد ايدلوجيا
اسطورية، وبفضل تزايد الدعم الامريكي لاسرائيل بشكل لا مثيل له من قبل"
ومن المدهش سماع الدعاية الصهيونية
تقول بان دولة اسرائيل هي "الدولة الديمقراطية
الوحيدة في الشرق الاوسط" اضف الى ذلك الزعم المخادع بان فيها يتوفر جو من
الحرية يصل الى حد تمكن المعارضة من الافصاح عن آرائها بصراحة في الصحافة وفي
الشارع على حد سواء…
اذا كان
صحيحاً ان معارضين للعنصرية في اسرائيل كالاستاذ
ويوري افنيري، والجنرال بيليه، والاستاذ لبويتيز وغيرهم - وعددهم قليل
جدا، في مجال محاسبة المبادىء الجاري تطبيقها"
يتوصلون بعد كفاح بطولي الى نشر آرائهم وشهاداتهم، رغم التهديد والوعيد، فيجب
الا ننسى ابداً ان الاغضاء عن حريتهم تلك لا يتوفر ال
لانهم يهود أي داخل "المؤسسة اليهودية، لكن هذه "الديمقراطية اليهودية"
تنطوي على تمييز عنصري في اساسها ".
ويمكن
مقارنة هذه "الديمقراطية الاسرائيلية" العجيبة، بالديمقراطية الأامريكية
التي كانت تنادي في "اعلان الاستقلال" بالمساواة بين جميع البشر، بينما تتابع
طوال قرون من الزمان استعبادها للسود (المشار اليهم "بالمؤسسة الخاصة" حياء
وخجلاً) وتصيدها للهنود الحمر الذين كانوا يقتلون ويطاردون، في سبيل
الاستئثار بأراضيهم. والدولة في اسرائيل ديمقراطية
باستثناء "زنوجها" و"هنودها الحمر" الذين تدعوهم ايضاً، بحياء
"بالسكان غير اليهود" اي الفلسطينيين سواء كانوا مسلمين ام مسيحيين.
وسنكتفي
هنا بتعداد اكثر المظاهر بروزاً في سياسة التمييز العنصري تلك، في الاحوال
الشخصية والشؤون العقارية…
-
الاحوال الشخصية:
في كتاب وضعه بمنتهى الدقة، صهيوني متحمس، هو كلود كلاين الاستاذ في
الجامعة العبرية بالقدس، ومدير معهد الحقوق المقارنة فيها، كشف مهم لكثير من
الامور وخاصة، في عنوانه (الطابع اليهودي لدولة اسرائيل) في هذا الكتاب
معالم عنصرية هذه الدولة، ولكن بفضل دقة الوثائق الواردة نورد بعضاً من هذه
المعالم:
اولاً -
"تعتنق الدولة العقيدة الصهيونية بصفة رسمية" (ص 22 من الكتاب) ويبين
البروفسور كلاين ذلك مؤكداً بان هناك ثلاثة قوانين
تعطي "للمنظات الصهيونية" وضعاً خاصاً داخل الدولة، القانون الاول (1952 -
5713) ويتعلق "بالمنظمة الصهيونية العالمية) و"الوكالة اليهودية" ويشدد
الكاتب على ان ذلك لا يشكل رابطاً حقوقياً بين اليهود القاطنين خارج اسرائيل
وبين الدولة. فالرابط القانوني لا يمكن ان ينشأ الا من فعل ارادي، يعبر عنه
مثلاً، الاستقرار في اسرائيل (ص 21 من الكتاب).
ومن
الواضح، ولحسن الحظ، ان الدولة الاسرائيلية لم تدع حقاً في مقاضاة اي يهودي
في العالم، بصفته الشخصية، لكن كاتبنا القانوني المراوغ كان اكثر تحفظاً حول
كون "المنظمة الصهيونية العالمية" و"الوكالة اليهودية" كمؤسسات - مرتبطتين
عضوياً وقضائياً بدولة اسرائيل، رغم امتداد نشاطهما الى جميع بلاد العالم.
لو ان
كنيسة كاثوليكية، او حزباً شيوعياً، جاهرا بوجود ارتباطات قانونية
او تنظيمية كهذه مع الفاتيكان او مع الدولة السوفياتية، لأعلنا بالتأكيد،
بانهما طابور خامس، وانهما "من عملاء قوة اجنبية"،
وما كان ليؤذن لهما بجمع اموال لحساب دولتهما، حتى في اختلاف الاهداف
السياسية. وباختصار، ان "الوضع الخاص" الذي يتمثل في قيام ترابط
قانوني وتنظيمي بين تلك المؤسسات وبين دولة
اسرائيل، يثير مشكلة قانونية وسياسية. وعدم البحث في شرعية تلك الروابط حتى
الآن، يعتبر، بحد ذاته، ميزة فريدة واستثناء غريباً.
اما
القانونان الآخران، فيتعلقان بـ(كيرن كايميت) اي الصندوق القومي اليهودي،
والقانون الصادر في 23/11/1953، و"كيرين هايسود" اي صندوق التعمير، والقانون
الصادر في 10/1/1956. ويشير البروفسور كلاين اليهما بقوله "لقد اتاح هذان
القانونان تحول هذه المجتمعات التي باتت تتمتع بعدد من الامتيازات". ودون سرد
هذه الامتيازات، يكتفي بايراد ملاحظة مجردة حول "ان الاراضي المستملكة بواسطة
الصندوق القومي اليهودي، تعلن كأراضٍ اسرائيلية" وحول صدور قانون اساسي بشأن
عدم قابلية التصرف بهذه الاراضي، وهو قانون من بين اربعة قوانين اساسية
يقولون بانها (نواة دستور لم يصدر رغم مرور أكثر من نصف
قرنً على قيام اسرائيل). والمحزن ان
هذا القانون العالمي، المعروف بالدقة الشديدة، لا يفضي باي تعليق حول "عدم
جواز التصرف" هذا، بل انه لا يعطي تفسيراً لمضمون، الارض "المستنفذة" بواسطة
الصندوق القومي اليهودي العالمي
كأرض "يهودية" فلا يمكن بيعها ابداً الى غير يهودي
ولا يمكن تشغيل غير يهودي فيها" . وعليه كيف يمكن انكار هيمنة التمييز
العنصري على هذا القانون الاساسي ؟
لندع
الآن قراءتنا المفيدة لكتاب البروفسور كلاين واستطاع حديثه عن "قانون العودة"
الذي يتوج كل منجزات الصهيونية. ونستمع الى بن غوريون وهو يعلن على الملأ،
لدى افتتاح جلسة الكنيست التي انتهت بقرار ذلك القانون بتاريخ 5/7/1950:
- "ان دولة اسرائيل ليست دولة يهودية لمجرد تشكيل اليهود لاكثرية سكانها.
انها، بالاحرى دولة الليهود حيثما يكونون في العالم،
ولكل يهودي راغب فيها". في تحليله لنتائج هذا القانون يتساءل (كلاين) قائلاً:
"الشعب
اليهودي يزيد كثيراً عن سكان دولة اسرائيل، الذين
ليسوا جميعاً من اليهود، لان بينهم اقلية غير يهودية لا يستهان بها، جلهم عرب
ودروز. والمسألة المطروحة هي معرفة ما اذا كان قانون العودة لا يعتبر مميزاً
عنصرياً، ما دام يسهل هجرة جزء من السكان (ذوي تبعية دينية وعرقية معينة)؟"
(ص 33).
ويتساءل
الكاتب، بشكل خاص، عما اذا كانت الاتفاقية الدولية حول نبذ كل اشكال التمييز
العنصري (الصادرة في 21/12/1965 عن الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة) لا
تسري على قانون العودة.
وبطريقة جدلية، نترك الحكم عليها للقارىء. ثم يستنتج القانوني البارز، ما
يلي:
"في ميدان التمييز العنصري او عدمه، يجب الا يوجه اي اجراء ضد جماعة معينة،
وقد اتخذ قانون العودة لصالح يهود يودون الاستقرار في اسرائيل وهو غير موجه
ضد اي جماعة او جنسية، لذا، فلا مجال لاعتباره تمييزاً" (ص 35).
وسنستعرض النتائج الناشئة
عن قانون العودة هذا امام القارىء المندهش من ذلك التعليلالغير
المنطقي الاقرب الى المزاح.
بالنسبة
للذين لا يستفيدون من هذا القانون، فقد خصص قانون الجنسية (1952-5712)
المتعلق بقانون العودة (في مادته الثالثة) "بكل شخص كان فلسطينياً قبل تأسيس
الدولة المباشرة، ولا يتحول الى اسرائيلي وفقاً للمادة الثانية" (المادة
المتعلقة باليهود). والمعنيون بهذا التلميح (والذين اعتبروا كغير حاصلين على
اي جنسية من قبل، اي كمشردين بالوراثة!!) عليهم "اثبات" اقامتهم في هذه
الاراضي مع تحديد زمن تلك الاقامة (والاثبات الوثائقي غالباً ما يكون
مستحيلاً، لان الاوراق الثبوتية فقدت في ثنايا الحروب، والاضطرابات التي
رافقت قيام الدولة اليهودية) بغير ذلك، ليس امام
الراغب في ان يصبح مواطناً، سوى "التجنس والتطبيع" الذي يتطلب، مثلاً معرفة
الغة العبرية. بعد ذلك، يمنح وزير الداخلية الجنسية الاسرائيلية لمن يشاء
ويمنعها عمن يشاء، تبعاً للضرورات.
الخلاصة، انه - بموجب القانون الاسرائيلي - يصبح اليهودي القادم من الخارج
تلقائيا مواطناً اسرائيلياً حالما تطأ قدمه ارض مطار تل ابيب بينما
يجوز اعتبار الفلسطيني، المولود في فلسطين من ابوين فلسطينيين "متشرداً" دون
ان يكون في الامر اي تمييز عنصري ضد الفلسطينيين. بل مجرد اجراء لصالح
اليهود؟!
ويمارس
"التمييز" المتعلق بالمواطنة، ايضاً عند حق الاقامة والزواج. فهناك مدن
بكاملها كالناصرة والكرمل (شمال شرقي حيفا) مقامة فوق اراض مملوكة للصندوق
القومي القومي اليهودي، تتواجد "خارج حدود القطاع المخصص لغير اليهود".
وفي
لقاء مع موشي برشمور سكرتير مجلس عمال الكرمل، نشرته جريدة هآرتس يوم
18/2/1972، قال موشي: "لا نريد ان يسكن ويشتغل هنا سوى اليهود". وعندما قيل
له بان ثمة عرباً يعملون هنا اجاب: "لا بأس، ولكن في مشروعات يهودية، واشغال
يدوية، فقط". واضاف مساعده (رحال ثيروش) قائلاً: "لو سمحنا لهم بالعيش هنا،
فسيحولون دون تحقيق الغرض من بناء الكرمل وبناء دولة
اسرائيل، وهو تهويد الجيل". اليس في هذا منع لاقامة غير اليهود؟ سيجيب
الاستاذ كلاين بان ليس في ذلك اي تمييز عنصري ضد الفلسطينيين، بل مجرد اجراء
لصالح اليهود!؟…
ونستطيع
ايراد المزيد من الامثلة على "التمييز" السائد في دولة اسرائيل، والتي تبرر
تماماً القرار رقم (2279) الصادر في 10/11/1975 عن الجمعية العامة لهيئة
الأمم المتحدة الذي قرر بأن
"الصهيونية شكل من اشكال العنصرية والتمييز العنصري".
ويضاف
التشويه اللاهوتي والتدليس "الديني"
الذي اختصت به هذه اليهودية الصهيونية الى هذه
العنصرية، المميزة للصهيونية السياسية ولكل حركة استعمار، بالنسبة لكل ما
يتعلق بشؤون الاحوال الشخصية في دولة اسرائيل، مثلاً فان التسلط الكهنوتي
يعزز العنصرية بأكسابها "اساساً" دينياً. واكبر دليل على ذلك تشريعات الزواج.
فالقانون المعروف بـ"قانون تحديد اختصاص المحاكم الحاخامية" (5713-1953)، ينص
على ما يلي:
-
المادة الاولى: "كل ما يتعلق بزواج اليهود في اسرائيل وطلاقهم، مواطنين
كانوا ام مقيمين، هو من اختصاص المحاكم الحاخامية دون غيرها".
-
المادة الثانية: "تتم معاملات زواج اليهود وطلاقهم في اسرائيل، طبقاً
لشريعة التوراة".
لا زواج
مدني اذن في اسرائيل بالنسبة لليهود. وفي ما
يلي نورد مثالاً على النتائج المترتبة على تلك السلطة المطلقة التي يتمتع بها
الحاخامات في هذا المجال: اليهودي الذي يدعى
كوهين، لا يحق له الاقتران بامرأة مطلقة (لان الكوهينيين من ذرية هارون، اخ
موسى، كانوا يقومون بالطقوس الكهنوتية في الهيكل). ولا بد لتجاوز هذا المنع،
من اجراءات معقدة وقرار من المحكمة العليا. مثال آخر هو "الحلتزة" اي الارملة
التي ترزق بعقب، لا تستطيع الزواج، الا اذا وافق اخو زوجها على الاقتران بها،
او على "تحريرها".
النتيجة الثانية:
- دليل هذا القانون واضح على الصعيد العملي. هناك
استحالة قانونية في اتمام الزواج في اسرائيل بين شخص يهودي وآخر غير يهودي"
(ابرز كلاين هذه الفقرة ص 123).
- هنا
ترتبط العنصرية والهيمنة الدينية في اوثق رباط حول نقطة اساسية، هي التعريف
"باليهودي": من هو "اليهودي"؟
ينص
القانون، في دولة اسرائيل، (تعليمات 10/11/1960) على ما يلي:
"تسجل
كلمة يهودي، امام خانة (الدين) وخانة (الجنس) في سجلات الاحوال الشخصية، لكل
من:
- ولد من ام يهودية، ولا يعتنق ديانة اخرى.
- من تحول الى اليهودية طبقاً للحالة.
تنشأ عن هذا التحديد مصاعب عديدة، يستعرضها الاستاذ كلاين بصراحة، وقبل كل
شيء، "اليهودية ديانة لا تشجع التحول اليها" (ص 49) والواقع، ان التحولات
اليها نادرة جداً على الاقل في ايامنا هذه..
يقول
كلاين (ص 48) بان المسائل الدينية والعرقية هي متشابهة بنظر اليهودي. ومع
ذلك، فالمشكلة تظل دون حل "لان التعريف باليهودي عن طريق امه، لا يفي
بالحاجة، ولفهم ذلك، يكفي التنويه بوجوب دفع المشكلة الى نطاق الام. وهكذا
دواليك" (49).
وتجسيداً للموضوع، نعود الى سابق قولنا بان الملك سليمان لن يكون يهودياً،
طبقاً للقانون الجاري تطبيقه حالياً في دولة اسرائيل، لان امه كانت حثية.
كذلك الحال بالنسبة للملك شاؤول، لان امه كانت كنعانية. لكن ملاحظة الاستاذ
كلاين، وهي منطقية، تبين لنا ان الملك داوود ايضاً قد لا يعتبر يهودياً، لان
ام جدته روث كانت مؤابية. فاذا كان نسبه منحدراً من النساء، فليس هو بيهودي،
واذا كان تحدره من الرجال، كان زواجه باطلاً حسب المفهوم الاسرائيلي الراهن!
وليس في الامر مزاح. يقول كلاين: "في الواقع، ليس هناك من حل لهذه المشكلة
التي قد تثير المصاعب ذات يوم حتى في المحاكم. لكنها حتى اليوم لم تزعج رجال
القانون في اسرائيل" (ص 49) الا انها تنغص الحياة اليومية. فعندما يكتشف ان
جدة احد الاسرائيليين لم تكن يهودية، يحق للادارة الحكومية ان تغير تسجيله من
يهودي الى غير يهودي، مما سيحظر عليه الزواج من يهودي في اسرائيل، الا في حال
اشهار يهوديته. واثناء نظر المحكمة العليا، عام 1970 في قضية "شيلت" الضابط
في البحرية الاسرائيلية والمتزوج من امرأة اسكتلندية غير يهودية، دعت
"غولدامائير" زوجة "شيلت" علناً مع غيرها من النساء ذوات الحالات المماثلة،
الى الاشتراك في احتفال لتهويدهن.
ولا
يتبدى طابع اليهودية العنصري
والعنصري في معاملات الاحوال الشخصية فقط بل وفي عمليات اغتصاب الاراضي
الفلسطينية.
-
المسألة العقارية:
فكما ان الصهيونية قد
انكرت ورفضت دائماً وجود الفلسطينيين، ابتدعت اسطورة "الارض التي لا يقطنها
شعب، لشعب لا يملك ارضاً" الارض الصحراوية التي يمكن ان يستنبتها
اليهود ب"بمعجزة"
ويحولوها الى ارضاً
غناء.
الا
انه لم تقم اية "معجزة" اسرائيلية. بل يمكن استغراب السرعة الخاطفة التي
تم بها طرد السكان الفلسطينيين واحلال
اليهود مكانهم. و سرعة اغتصاب
الأراضي الفلسطينية الذي اتاح لليهود تغيير
مالكية الأرض.
فلا "معجزة" اذن في خطة منهجية لنزع الملكية بالسرقة،
موضوعة قبل قيام دولة اسرائيل بوقت طويل، كأداة اساسية بيد السياسة
اليهودية الاستعمارية.
في 12
يونيو (حزيران) 1895، كتب "تيودور هرتزل" في (يومياته):
- "علينا التمهل في اتمام نزع الملكيات الخاصة في الاراضي العائدة
التي سنستولي عليها. سنحاول تسهيل خروج السكان
غير اليهود المحرومين من الموارد، بإغرائهم بالعمل في الخارج مع منعهم
من العمل داخل بلادنا. اما ملاك الارض فسينضمون الينا. واما اجراءات نزع
الملكيات وابعاد الفقراء، فيجب اتمامها بكتمان وتأن وحذرين".
وطبق
برنامج نزع الملكية هذا بحذافيره، عدا ما يتعلق "بالكتمان" منذ ان آلت وسائل
القوة اللازمة لتنفيذ مشروعات الاغتصاب و السرقة
بالعنف الى ايدي الصهاينة.
من وجهة
النظر هذه، يستحسن التمييز بين مرحلتين من مراحل الاستعمار الصهيوني.
المرحلة الاولى: تتسم
بطابع الاستعمار التقليدي، اذ كان المقصود، اثناءها استغلال اليد العاملة
المحلية الغير اليهودية. وهكذا كانت طريقة البارون
ادوار روتشيلد الذي كان يستغل اليد العاملة الرخيصة الاجر في كرومه بالجزائر،
كما وسع مجال نشاطه الى فلسطين، حيث راح يستغل في كرومه عرباً آخرين، غير
الجزائريين.
وحوالى سنة 1905، حدث تحول في مجرى الامور، بعد وصول موجة جديدة من
المهاجرين اليهود من روسيا غداة
قيام ثورة 1905 وبدلاً من متابعة الكفاح
في روسيا الى
جانب الثوريين
الروس استجلباليهود الفارون من الثورة الى فلسطين "اشتراكية"
صهيونية غريبة. فقد انشأوا "التعاونياتُ" الحرفية، و"الكيبوتز"
من أراض فلسطينية مغتصبة ،
مبعدين عنها الفلاحين الفلسطينيين، في سبيل تكوين اقتصاد
يهودي صرف يستند الى طبقة
عمالية زراعية يهودية. وهكذا كان الانتقال من الاستعمار التقليدي (ذي الطراز
الانكليزي أو الفرنسي) الى
استعمار احلالي اغتصابي مبني، وفقاً لمنطق الصهيونية
السياسية، على تدفق مهاجرين
يهود تحجز لهم الاراضي ليحلوا محل السكان الأصليين. ومنذ ذلك الحين، بات
الهدف هو احلال شعب آخر محل الشعب الفلسطيني، وبالتالي الاستيلاء
بالاغتصاب و السرقة على الارض.
ولا
ننسى ان اليهود لم يكونوا يمتلكون، يوم ان اصدر
بلفور وعده لهم، سوى 2,5 %
من ارض فلسطين بينما اصبحوا الآن يملكون 93 % في عام 1982.
وكان
الدكتور اليهودي روبين، خبير الوكالة
اليهودية في شؤون الزراعة والاقتصاد، قد اعلن المبادىء
التالية، عام 1930:
-
"الارض هي المادة الاساسية اللازمة لتثبيت جذورنا في فلسطين. وبما انه ليس في
فلسطين من اراض زراعية دون عمال، فلا بد لنا من حياة الارض وتعميرها، بغية
استبعاد الفلاحين الذين كانوا يحرثون الارض قبلنا وبالتالي: الملاكين والمستأجرين"
.
وكانت
الطرق المتبعة في نزع ملكية المواطنين الفلسطينيين الاصليين لأرضهم، من اشرس الطرق
الاستعمارية، مع اضافات عنصرية صارخة، في مثال الحالة الصهيونية.
اما
نقطة انطلاق العملية الكبرى، فهي في انشاء "الصندوق القومي اليهودي" (عام
1901) الذي يتميز عن غيره من وسائل الاستعمار، باعتماده المبدأ المبتكر
التالي: "لا يجوز بيع، او تأجير الارض التي يستولي عليها
اليهود الى غير اليهود"!!
ونلاحظ
هنا بان السياسة الزراعية التي يتبعها زعماء اسرائيل، انما تعتمد على نهب
منظم للطبقة الفلاحية العربية.
كما ان
التنظيم العقاري لعام 1943، حول نزع الملكية من
الفلسطينيين لاعطائها لليهود "للصالح العام"،
صار تطبيقه
خاضعاً للتمييز العنصري. كما حدث في عام 1962، عند انتزاع ملكية (550)
هكتاراً من اراضي (دير الارض) و(نابل) و(بعنه) "للصالح العام" المتمثل في
انشاء مدينة الكرمل، المخصصة لليهود دون غيرهم!.
وهناك
اجراء آخر، هو استخدام "قوانين الطوارىء" التي كان الانجليز قد اصدروها عام
1945 ضد ا العرب. منها القانون 124، الذي يعطي الحق للحاكم
العسكري - بحجة "الامن" هذه المرة - في تعليق جميع حقوق المواطنين، بما فيها
حرية الانتقال، ويكفي ان يعلن الجيش اية منطقة على انها ممنوعة، "لدواعي امن
الدولة" حتى يصبح متعذراً على العربي ان يتوجه الى ارضه دون ترخيص بذلك من
الحاكم العسكري. فاذا رفض اعطاءه هذا الترخيص، تعتبر الارض "بورا"، ويحق
عندئذٍ، لوزارة الزراعة ان تضع يدها على الاراضي
"البائرة" بغية تأمين زراعتها
اليهود.
وعندما
اصدر الانجليز عام 1945-
أي قبل قيام اسرائيل - هذا التشريع الاستعماري البالغ الوحشية من اجل
مكافحة الارهاب، احتج المحامي اليهودي "برنار (دوف) جوزيف" على نظام التهديد
هذا قائلاً: "هل سنكون جميعاً تحت رحمة الارهاب الرسمي؟ اذ ليس من مواطن
بمنأى عن السجن مدى الحياة دون محاكمة ولا حدود لسلطة الادارة في نفي اي شخص
في اي وقت. لا حاجة لارتكاب مخالفة ما، ما دام يكفي اتخاذ القرار في اي مكتب
حكومي!.."
الا ان
نفس هذا الـ"برنار (دوف) جوزيف" راح يطبق نفس تلك القوانين ضد العرب، حينما
صار وزيراً للعدل في اسرائيل!!
وكان
(ج. شابيرا) قد ندد ايضاً بتلك القوانين، خلال اجتماع الاحتجاج عليها في تل
ابيب يوم 7/2/1964 (حبر كليت، فبراير 1946 ص 57 و 64) وقال "ان النظام
المستتب بواسطة هذا التشريع لا مثيل له في البلاد المتحضرة، حتى المانيا
النازية لم تعرف مثل هذه القوانين".
لكن
(شابيرا) نفسه، عند توليه منصب النائب العام في دولة اسرائيل، ثم منصب وزير
العدل، طبق نفس القوانين ضد العرب. ذلك ان حالة الطوارىء لم تلغ ابداً في
دولة اسرائيل منذ 1948، تبريراً للاستمرار بالعمل بتلك القوانين.
وفي عدد
25/1/1972 من جريدة "دافار" كتب "شمعون بيريز" ما يلي:
- "ان
استخدام القانون 125، الذي يقوم عليه الحكم العسكري، هو امتداد مباشر للكفاح
من اجل الاستيطان والهجرة اليهوديين".
-
وتنظيم زراعة الاراضي البور، الصادر عام 1984، والمعدل بطريقة اقصر اذ، دون
التذرع "بالصالح العام" او "بالامن العسكري"، يستطيع وزير الزراعة مصادرة كل
ارض "متروكة".
علماً
بان النزوح الجماعي للسكان العرب بسبب الارهاب
اليهودي - من نوع احداث دير ياسين عام
1948، وكفرقاسم عام 1956، والمذابح المنظمة (بوغروم) بواسطة "الوحدة 101"
التي انشأها موشي دايان، وقادها "أرييل شارون" لفترة طويلة، هذا النزوح "حرر"
اراضي شاسعة، اعطيت لمحتليها اليهود، بعد ان "خلت" من مالكيها وشغيلتها العرب.
واستكمل
جهاز نزع ملكية الفلاحين، بنظام 30/6/1984، والقرار المعجل الصادر في
15/11/1984 بشأن املاك "الغائبين" والقانون المتعلق باراضي "الغائبين"
(14/3/1950) وقانون حيازة الاراضي (13/3/1953) بالاضافة الى ترسانة من
الاجراءات الرامية الى اضفاء الشرعية على السرقة، بإجبار العرب على ترك ارضهم
لكي تقام عليها مستوطنات يهودية، كما بين ذلك ناتان ونستوك، في كتابه
"الصهيونية ضد اسرائيل" (منشورات ماسبيرو، باريس 1969 - ص 373 - وما بعدها)
ومن اجل محو وجود المزاراعين الفلسطينيين - حتى من الذاكرة - وتأكيد اكذوبة
"البلد الصحراوي" تم تدمير القرى العربية بمنازلها واسيجتها، بل وبمدافنها
وقبورها ايضاً. وقد وضع الاستاذ "اسرائيل شاهاك" في عام 1975، قائمة بأسماء
(385) قرية عربية، دمرت وسويت بالارض بواسطة "البلدوزر" من اصل (475) قرية
كانت موجودة عام 1984.
واقامة
المستوطنات مستمرة في اسرائيل، وهي في تزايد في الضفة الغربية.
اضافة الى تسليح المستوطنين، تمشياً مع أعرق التقاليد الاستعمارية. والنتيجة
الكلية هي التالية:
-
بعد طرد مليون ونصف المليون فلسطيني، اصبحت "الارض اليهودية" - على حد
تعبير جماعة الصندوق القومي اليهودي - والتي لم تكن تتجاوز 6,5 % في عام 1974
اصبحت اليوم تمثل 93 % من فلسطين (منها 75 % للدولة و 14 % للصندوق القومي
اليهودي).
وبما ان
هذا هو حال السياسة الاستعمارية والعنصرية، التي تتبعها الصهيونية السياسية
فيما يتعلق بالاحوال الشخصية وشؤون الأرض فانه
يسهل تفهم مدلول "الحكم الذاتي" لدى الزعماء الاسرائيليين، من وجهة نظر
مناحيم بيغن. وواقع الامر هو متابعة الاستعمار الصهيوني لخططه في ضم الاراضي.
ثم انه من غير المعروف، مع اي جهة يمكن للساسة الاسرائيليين ان يتفاوضوا. هل
مع منظمة التحرير الفلسطينية؟ - لكنهم يرفضونها رفضاً قاطعاً. ام مع من
يختارهم السكان؟ وقد اقالوهم جميعاً!
وفيما
يلي الترتيبات الرئيسية الموضوعة سلفاً لكاريكاتور الحكم الذاتي المذكور:
- في
3/5/1979 طرح بيغن على لجنة الوزراء الاحد عشر، مشروعه بشأن الحكم الذاتي
الاداري، وفي 17/5/1979 وافقت اللجنة عليه لتقره الحكومة يوم 21/5/1979. هذا
المشروع الذي صدقت عليه الحكومة، هو عبارة عن تعداد للمبادىء التي تكرس سياسة
الكيان الصهيوني في الحاق الارض والتوسع.
فهو
يؤكد ان اسرائيل ستطالب بحقها المزعوم في بسط سيادتها على الضفة الغربية
وقطاع غزة، بعد انقضاء فترة الانتقال المحددة بخمس سنوات للحكم الذاتي
الاداري. وهذا المبدأ يلقي الضوء على ما يليه.
-
المستوطنون اليهود والسكان اليهود
في الضفة الغربية يخضعون للتشريعات الاسرائيلية وللإدارة
الاسرائيلية.
-
"الحق" في استمرار انشاء المستوطنات اليهودية في المناطق الخاضعة لنظام الحكم الذاتي
يظل مرعي الاجراء.
-
الاراضي الاميرية والاراضي البور تكون تحت تصرف شاغليها
اليهود.
- ستكون
الدولة اليهودية مسؤولة عن تخطيط الموارد المائية، وستكتفي باستشارة المجلس
الاداري..
قواتها
المسلحة وستنتشر في اماكن محددة من المناطق الخاضعة لنظام الحكم الذاتي.
وتتكفل قواتها الامنية بالأمن الداخلي" في الاراضي المحتلة. وفيما يتعلق
بالمجلس الاداري، ينص مشروع الحكومة على ان الحكومة العسكرية تفوض للإدارة
الذاتية سلطاتها، وتجري مفاوضات حول عدد المنتخبين لعضوية المجلس الاداري،
وحول عدد المحافظات التابعة لذلك المجلس. وهناك فقرة ملحقة، تذكر بان القادة
الصهيونيين لن يسمحوا ابداً بقيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة.
هذا
المشروع المعروف بـ "مشروع المبادىء" من اجل حكم ذاتي اداري متكامل للسكان
العرب في "يهودا" و"السامرة" وغزة، ومن اجل تواجد مستوطنين يهود في هذه المناطق،
قررت الحكومة الاسرائيلية بالاجماع صلاحيته لان يكون ورقة عمل الوفد
الاسرائيلي الى مفاوضات الحكم الذاتي، ولكنه، ولأسباب تكتيكية لن يقدم
حالياً الى مصر اثناء المفاوضات.
وقد
كشفت جريدة (هآرتس) اليومية، عن توصيات لجنة (بن اليسار) من اجل تطبيق مشروع
مبادىء هذا، وهي توصيات جاءت لتكمل مثيلتها المقدمة في 9 فبراير، وتبين ان
قيوداً جديدة سوف تفرض على سلطة الحكم الذاتي.
هذه
القيود تبدأ بالإجراءات الواجب اتباعها في انتخابات المجلس الادارية، حيث
يمنع انتخاب كل شخص ادين لمعارضته للاحتلال، ويتوجب على المرشحين ان يتقدموا
عبر قوائم فردية، دون تعيين للدائرة التي يمثلها كل منهم.
وعلى
الصعيد الاقتصادي لا يجوز لادارة الحكم الذاتي اصدار العملة، ولا إنشاء بنك
مركزي، ولا استيفاء ضرائب غير مباشرة. كما انه لا يحق لها الاشراف لا على
الاستيراد والتصدير ولا على تداول النقد.
اما على
صعيد الامن الداخلي، فان حبس المعتقلين السياسيين يتم في سجون تخضع للاحكام
الاسرائيلية، ويحق للحكومة الاسرائيلية الاعتراض على اي عفو عن السجناء.
كذلك
سيزداد اغتصاب الاراضي، لان هناك (727) الف دونم من الارض - ومساحة الدونم
الواحد تقارب الف متر مربع - سوف يتم الاستيلاء عليها، بحجة استعمالها كميادين
مناورات ومعسكرات للجيش. هذا بالاضافة الى الاراضي اللازمة للطرق الجديدة.
ففي الضفة الغربية ستبنى عشر طرق سريعة، وطريق سريعة في قطاع غزة. فضلاً عن
الطرق العريضة التي يجب ان تحيط بالمدن الرئيسية، علماً بان الاشراف على شبكة
المواصلات البرية مناط بوزارة النقل الاسرائيلية.
ثم ان
سلطات الاحتلال ستزود قطاع غزة بالماء، وتحتفظ بحق التخطيط لاستغلال الموارد
المائية في الضفة الغربية.
وتوصية اخرى ذات مغزى من لجنة (بن اليسار):
- يستطيع المستوطنون اليهود تشكيل قوة شرطة محلية، وحمل السلاح في كل تنقلاتهم.
وقد قدمت جريدة "ميتافارقي" جنوب افريقيا (داي ترنسفلر) الخبيرة بشؤون
التمييز العنصري، خلاصة لتلك الاجراءات المطلوبة، جاء فيها:
- "ما الفرق بين الطريقة التي يسعى
اليهود للمحفظة على
هويتهم بها بين السكان غير اليهود
في فلسطين، وبين طريقة العنصريين في جنوب افريقيا
للسيطرة على السود؟. ان اليهود
في اسرائيل يستندون الى التوراة
لتبرير سبب عدم رغبتهم في
الاختلاط ببقية الشعوب. و كذلك يفعل
يفعل العنصريين البيض في جنوب افريقيا."
ويقول
رئيس وزرائهم (فيرفور)
-
"اليهود اخذوا ارض اسرائيل من العرب، الذين كانوا يعيشون فيها طوال الف
سنة. واني لأقرهم على هذا، ولكنهم، مثلنا، يشكلون بلداً للتمييز العنصري."
بعد ان
رأينا الطرق التي سلكتها الصهيونية السياسية لطرد العرب، لنرى الان
"محاولاتها" الرامية الى استجلاب اليهود الى اسرائيل.
نقول
بانها "محاولات" لان عمليتها قد فشلت
نسبيا، اذ ليس في اسرائيل اليوم سوى 18 % من
يهود العالم. وعدد اليهود الدين يهاجرون منها يفوق عدد
المهجرين اليها حسبما هوحاصل حالياً،
وذلك لسبب بيّن: فالصهيونية كانت قد وعدت بتوفير السلامة لليهود في
اسرائيل. الا ان هذه الحجة لم تكن مقنعة ابداً، بل هي اليوم اقل اقناعاً، اذ
بعد تتابع الحروب، وعجز الساسة الاسرائيليين التام - بسبب عقيدتهم الصهيونية
- عن مخالطة شعوب الشرق الاوسط سلمياً، لم يعد هناك اليوم بلد في العالم
اجمع، غير اسرائيل، تهدد فيه سلامة اليهود كمحتلين.
وخلافاً
للأسطورة التي روجتها الصهيونية السياسية، فان الدافع الديني لم يكن له دور يذكر في
هجرة اليهود الى فلسطين.
ان
النزعة القومية العدوانية
اليهودية في تورات اليهود - الواردة على
الاخص في كتاب (يوشع) التي تحرض على المذابح
والابادة المقدسة ضد غير اليهود، او لدى عزرا
ونحميا، في كتب التمييز العنصري والحكم الديني لخدمة
التعصب المتطرف -
هي لأساس
الاديولوجي و السياسي للصهيونية اليهودية التي تحتل فلسطين هي النزعة الغالبة
التي تحرك اليهود اليوم.
ان
"تيودور هرتزل"، ابا الصهيونية السياسية، نفسه كان ملحداً، لا يهتم بالنصوص
التوراتية الا في نطاق امكان تبريرها لسياسته العنيفة.
لكن هذا
لم يكن يعني انتقاء اي دلالة للقدس لديهم، فقول اشعيا "العام القادم في
اورشليم".. والمزمور 136 "اذا نسيتك يا اورشليم"، هما في صميم العقيدة
اليهودية.
وترتبط
بالقدس، أسمى احداث الوحي: بتضحية ابراهيمد تجسيدا للايمان والاسلام. ثم هناك موت يسوع لمسيح وبعثه. ومعراج النبي
محمد في السماء انطلاقاً من المكان نفسه الذي جعل القرآن موئلاً لتضحية
ابراهيم، ويجله المسلميون كما يجله النصارى. ولما كانت القدس اولى
القبلتين. ان للقدس لدى المسيحيين والمسلمين، اذن،
مدلول "المركز الرفيع" الذي تتبوأه عقيدتهم، وتتوجه اليه صلواتهم جميعاً..
انها، بنظر ديانات الوحي ، رمز تجمع البشر جميعاً حول ايمان مشترك،
تتوجه تضحية ابراهيم. وهذا هو سبب اجلال المسلمين لها وسماحهم بحج الناس
اليها دون تمييز، طوال القرون الاحد عشر التي تولوا خلالها حراستها وخدمتها.
لقد كان اول اجراء قام به صلاح الدين بعد تحريره القدس، هو اعادة فتح ابوابها
لليهود والنصارى كافة، بينما كان الصليبيون قد قتلوا فيها، او طردوا منها
اليهود والمسيحيين الارثوذكس والمسلمين!..
لقد كان
الصليبيون يشكلون "صهيونية مسيحية" كما تشكل الصهيونية اليوم
"صليبية يهودية".. وفي الحالتين فهما تشكلان فساداً في الروحانية، وضلالاً في
العقيدة.
ووما له
مغزى ملفت للنظر ان تكون اكثر النصوص التوراتية انتشاراً في مدارس دولة
اسرائيل، هي تلك التي تتحدث عن غزو (يوشع) لارض كنعان، وعن مملكة داوود، اي
عن المظاهر العسكرية العدوانية !
ان
مطالبة اليهود بدولة يهودية (من تخطيط هرتزل)
مستوحاة من قومية القرن التاسع عشر الاوروبية بالتواطؤ مع كبريات الدول
الاستعمارية، وباتباع اساليبها، لكي يهرع الى تلك الارض في فلسطين جميع يهود
العالم، كما كان يحلم هرتزل وبن غوريون!!
ان اقامة دولة يهودية في فلسطين
ادىً الى نشوب ازمة مع
السكان المقيمين والعاملين في تلك الارض منذ قرون طويلة. وقد عبر عن ذلك
"جودا ماغنس" نفسه حينما قال عام 1924، وكأنه يستشرف المستقبل: "اكثر ما
يقلقني هو غياب اي اقتراح بناء حول الطريقة التي يمكن بواسطتها حل الازمة دون
نشوب حرب بين الشعبين. ومن جهتي انا، لست مستعداً لايقاع الظلم بالعرب من اجل
استيفاء حق اليهود في العدل. اني لأرى من الظلم ان يخضع العرب لقانون اليهود،
دون رضاهم. واذا كنت لا اؤيد قيام دولة يهودية، فذلك للسبب الذي ذكرته.
انى لا اريد حرباً مع
العالم العربي .
ولكون
"جودا ماغنيس" من اوائل الصهاينة فقد قال:
- " هل سيتحول اليهود هنا (في فلسطين) في مساعيهم الحثيثة الرامية الى انشاء
جهاز سياسي لهم، كما صار اليه بعض الشعوب القديمة؟ يبدو اننا فكرنا في كل شيء
ما عدا العرب.."
فحتى
ما بعد وقوع مجازر صبرا وشاتيلا باشراف الجيش الاسرائيلي، نجد "المجلة
اليهودية" السويسرية تبرر تضامنها مع ارهاب دولة القدس، بقولها: "منذ ان وجدت
اسرائيل، صرنا نعيش حياتنا مرفوعي الرأس، وهذا امر علينا ان لا ننساه ابداً"
وتصديق هذا التعبير الانشائي يفرض الاعتقاد بان
حالة اليهود في سويسرا، قبل عام 1948، كانت بائسة.
وقد سبق لتيودور هرتزل ان كتب ما يلي: "اليهود شعب فريد،
لا يستطيع الاندماج ببقية الشعوب".
والواقع
ان دوافع الهجرة الى فلسطين كانت ملفقة ومفتعلة، منذ البداية. وفيما يلي:
ثلاثة امثلة على الطرق المتبعة:
- قبل كل شيء طريقة استقدام اليمنيين الذين شكلوا اكبر طائفة من المهاجرين
الشرقيين قبل عام 1948. وحقيقة الامر هي في احلالهم محل العمال العرب، وبنفس
الاجور المنخفضة، وفي المهمات المنفرة، كعمال في الزراعة، ومبتدئين في
الصناعة، وخادمات في المنازل.
وهناك
تقرير للدكتور طون، من الوكالة اليهوية، يوضح هذه المسألة بقوله: اليهود
الشرقيون، دون غيرهم، هم الذين يمكن ان يعملوا كالعرب. وبنفس اجور العرب، مع
مساهمتهم في تحقيق الهدف الصهيوني الرامي الى استتباب "العمل العبري"
واستبعاد اليد العاملة الفلسطينية. ثم يخلص الى القول "لو استطعنا التوصل الى
جعل العائلات اليمنية تستقر بشكل دائم في المستوطنات، فسنكون قد حققنا امرأ
آخر، الا وهو ان تشغل النساء والفتيات اليمنيات كخادمات، بدلاً من النساء
والفتيات العربيات العاملات في الوقت الحاضر في خدمة كل عائلة من المستوطنين
تقريباً، مقابل اجور باهظة تتراوح بين 20 و25 فرنكاً فرنسياً في الشهر" .
وفي عام
1910، ارسل الى اليمن واعظ مزيف، هو الصهيوني "الاشتراكي" (فرشفسكي) الملقب
زوراً بالحاخام (يفني ايلي) مبشراً يهود اليمن بمجيء المسيح المخلص الذي
سيقيم مملكة اسرائيل الثالثة (أي اسرائيل الحالية) وعند استيراد المهاجرين اليمنيين عام 1948،
الى اسرئيل، في العملية المعروفة "بالبساط السحري الطائر" كان هؤلاء ينشدون
في الطائرات المقلة لهم "داوود داوود (يقصدون بن غوريون ملك اسرائيل".
هذه
العملية تمت على مرحلتين:
- الاولى: بين ديسمبر 1948 ومارس 1949.
- الثانية: بين يوليو 1949 وسبتمبر 1950.
- المثل الثاني: مسألة "المرحلين" او المشردين تمت كذلك في عام 1948. في ذلك
الوقت لم يكن في المنطقة الامريكية سوى مائة الف او 114 الف يهودي "مرحل".
ورغم الدعاية القوية الواسعة التي قامت بها الوكالة اليهودية فان تقرير
كلوسنر - الذي يشير امام المؤتمر اليهودي الامريكي، المنعقد في 2/5/1984، بان
"اليهود في مجموعهم، غير راغبين كثيراً في الذهاب الى فلسطين" - وقد صرح بهذا
دون مداورة وقال: اني مقتنع بإجبار هؤلاء الناس على الذهاب الى فلسطين".
وتحقيقاً لهذه الخطة، يصبح من الضروري ان تقلب الطائفة اليهودية سياستها،
فبدلاً من احاطة المرحلين والمشردين بأحوال معيشية مريحة، ينبغي تعكير صفوهم
بقدر المستطاع، حتى يمكن، فيما بعد، دعوة الهاغانا (الجيش الاسرائيلي) الى
الضغط
على اليهود (من اجل حملهم على الانخراط في صفوفه).
واثناء
غزو لبنان اصدر "نسيم غون" رئيس الجمعية السويسرية للعمل من اجل اسرائيل،
رسالة دورية مؤرخة في 10/6/1982، يحث فيها على جمع المال لدولة اسرائيل،
ويقول:
-
"الجيش الاسرائيلي يهتم بالجبهة العسكرية. اما الجبهة الثانية، جبهة اقتصاد
البلاد فهي بين ايديكم، فساندوها اذن بكل الامكانات المتوفرة لديكم، لتثبتوا
مرة اخرى ان الشعب اليهودي كتلة متراصة لا تتجزأ".
وهو
الموقف نفسه من الدعم المسبق غير المشروط، لدى "آلان دي روتشيلد" الذي صرح في
مقابلة مع جريدة "فرانس سوار" 27/11/1982، باسم (المجلس الممثل للمؤسسات
اليهودية في فرنسا) تعليقاً على انباء المذابح المرتكبة في مخيمي صبرا
وشاتيلا في بيروت فقال:
- "لقد
حول اتجاه الاحداث بعد مهاجمة الطائفة والشعب اليهوديين وتشويه سمعتهما
بتحميلهما مرة اخرى جريمة كونهما يهوداً، وغض الطرف تماماً عن المنفذين
الحقيقيين، اي اللبنانيين".
مما
يطابق تماماً مقولة بيغن "غير يهود قد فتكوا بغير يهود" فقد تناسيا التنبيه
الى ان هؤلاء المجرمبين انما كانوا "المنفذين" المسلحين من قبل دولة اسرائيل،
العاملين بإيعاز من (شارون) الذي فتح لهم المخيمات المحاصرة بقواته، واضاء
لهم ميدان الفظائع المرتكبة بمشهد من عساكره. ومع ذلك، يرى بيغن وروتشيلد في
التنديد بهذه الجرائم، "معادة لليهود" مناهضة "للطائفة اليهودية"..
9
سياسة اسرائيل الخارجية: التوسع
اود ان
اقترح عليكم العودة، بين فترة واخرى، الى البرنامج المتعلق "بفلسطين الكبرى"
(اسرائيل الكبرى) قبل فوات الاوان. ذلك ان مؤتمر (بال) يجب ان يضم هذه
العبارات "فلسطين الكبرى" (اسرائيل الكبرى) او "فلسطين والاراضي المجاورة"،
والا بات المشروع حماقة فأنتم لا تستطيعون استقبال عشرة ملايين يهودي، فوق
ارض لا تتعدى مساحتها (25) الف كيلومتر مربع" .
هذه
الرسالة المووجهة الى تيودور هرتزل من احد اصدقائه ومستشاريه الاقربين ديفيد
تريتش في 29/10/1899، بعد وقت قصير من اختتام المؤتمر الصهيوني العالمي، تعبر
بمنتهى الوضوح عن المنطق الداخلي الذي تلتزم الصهيونية به في سياستها
الخارجية واعتبار جميع يهود العالم تابعين لتلك
الامة، والعمل على جلبهم الى هذه الدولة، كانت وراء قيام الدولة
الصهيونية بسلسلة الحروب التوسعية، الرامية الى تأمين "مجال حيوي" ( ليبنروم).
من هذا المنطلق المتصلب الذي تعتمده الصهيونية السياسية، كان منشأ ما ارتكبته
دولة اسرائيل من اعتداءات وضم للأراضي. والسمة الوحيدة التي تميز هذه العملية
العسكرية التوسعية غير المحدودة التي تقوم بها الصهيونية السياسية، عن
النازية، هي ان التركيز - في ما يرافقها من ايديولوجية وميثولوجيا - اما
بالنسبة لاسرائيل - فانه لا يقوم فقط على خدعة الامتياز العرقي (كان هتلر
يقول: "كل ارض مسكونة بالجنس الآري يجب ان تعود الينا") بل يقوم، بشكل خاص
على خدعة مستقاة من التوراة، فهي "وعد" وتفسره بمعنى عشائري صرف
و كغنيمة مادية خالصة متمثلة في قطعة
معينة من الارض.
وقد
اعتبرت الآية المستقاة من سفر التكوين "لذريتك امنح هذه البلاد من نهر مصر
الى نهر الفرات الكبير" بمثابة برنامج سياسي وعسكري. كما لو ان الامر يتعلق
بحقيقة تاريخية وبصك ملكية، او ان ذرية ابراهيم محددة بصلة الدم وليس بوحدة
العقيدة، او انه يجب ان يستثنى العرب من تلك السلالة (رغم انهم من نسل
اسماعيل، كبير اولاد ابراهيم)، وكل البشر الذين يرون في تضحية ابراهيم بولده،
الصورة المثالية لعقيدتهم، اوانه يمكن التسليم بصحة اتصال نسب يهود اليوم
بسكان ارض كنعان القدماء، بينما يجزم علم الحياة (البيولوجيا) والواقع
التاريخي، بان يهود اليوم - كغيرهم من الشعوب - هم نتاج امتزاج سكان اقاموا
وتنقلوا بين جزيرة القرم، واليمن، والحبشة، واسبانيا، ولا يحق لهم، بالتالي،
المطالبة بإرث "اجداد" ليسوا ابداً اجدادهم، كما لا يحث لهم استبعاد السكان
الاصليين العرب مسلمين كانوا ام مسيحيين، الذين نقلوا عن مملكة داوود خصائصها
العرقية وتوارثهم لارضها، اكثر بكثير من اوئلك المهاجرين البولونيين او الروس
او الرومانيين او الهنغاريين او اليمنيين او المغاربة الذين لم يزعم احد غير
النازيين بتكوينهم لكتلة بشرية فريدة من نوعها، تتميز - حسب العنصريين
الهتلريين بفوارق جسدية (كشكل الجمجمة والانف) وبفوارق نفسية.
ومع
ذلك، فلم يزل القادة الاسرائيليون يتذرعون بهذا الوهم، وهم "اسرائيل الكبرى"
الموعودة للاجداد، وبتلك القراءة الانتقائية من التوراة لتبرير سياستهم
التوسعية، واعتداءاتهم المتكررة، وضم اراضي الغير، باسم تلك التلفيقات.
في صيف
عام 1967، قال موشي دايان: "ان شعباً يملك التوراة، ويعتبر نفسه شعب التوراة،
يجب ايضاً ان يملك اراضي التوراة، اراضي القضاة والحكماء" .
وانطلاقاً من هكذا "مبادىء"، تصبح الحدود مرنة مطاطة. فها هو بن غوريون
يقول: "انظروا في اعلان الاستقلال الامريكي ليس فيه اية اشارة لحدود اقليمية.
ونحن غير ملزمين بتحديد حدود الدولة" .
واشارة
بن غوريون هذه الى "السابقة" الامريكية تحمل دلالة بعيدة، لان الحدود
الامريكية استمرت في حركتها طوال قرن من الزمان (حتى بلغت المحيط الهادىء،
حيث اعلن "اغلاق الحدود") تبعاً لمراحل الانتصار في "تصيد الهنود الحمر"
وطردهم والاستيلاء على ارضهم. ويقول بن غوريون بوضوح تام: "ليس المقصود هو
استبقاء الوضع الراهن، بل علينا ان ننشىء دولة ديناميكية، تتوجه نحو التوسع"
. وجاءت التجرية السياسية مطابقة لهذه النظرية الفريدة: اخذ الارض، وطرد
سكانها، ذلك هو قانون الغاب الذي اعتمدته الدولة الصهيونية، بحكم جوهرها، منذ
البداية ولم يحترم القادة الاسرائيليون، في يوم من الايام، قرار الأمم
المتحدة بشأن "التقسيم" في فلسطين، بل ان الكومندوس الاسرائيلي عمد
الى
الاستيلاء على المناطق المخصصة للعرب، مثل يافا وعكا، في الفترة الممتدة من
اليوم الذي صدر فيه قرار التقسيم، (29/11/1948) الى الانتهاء الفعلي للانتداب
البريطاني في 15/5/1948.
وحينما
حاولت الدول العربية التدخل، من اجل حماية الفلسطينيين من مذابح مماثلة
لمذبحة دير ياسين (9/4/1948) سنحت الفرصة لزعماء الدولة الصهيونية لكي
يستولوا على مناطق جديدة، وبعد ان كانت الأمم المتحدة قد خصتهم بـ 56 % من
الارض الفلسطينية، فاذا بهم يحتلون 80 % منها، في نهاية اولى الحروب العربية
الاسرائيلية.
ونذكر
ايضاً اسطورة اخرى لا بد من تفنيدها وهي، حكاية داود الصغير الاسرائيلي،
قبالة الجبار العربي جالوت، وهي التي يراد بها استدرار الشفقة على هذا "الشعب
الصغير" المهدد في امنه، واستثارة بسالته العسكرية، وبصرف النظر عن الاحوال
الراهنة وما يمتلك الجيش الاسرائيلي حالياً من تجهيزات عسكرية تفوق، نوعاً
ما، ما بحوزة الجيوش العربية مجتمعة، نجد ان مجموع جيوش مصر وسوريا والاردن
ولبنان وايران، خلال حرب 1948، كانت اقل من (22) الفاً مقابل (65) الف جندي
اسرائيلي.
وهذه
الانطلاقة الاولى بدت، مع ذلك، غير كافية بنظر القادة الاسرائيليين، فقد قال
بن غوريون، في مقابلة نشرتها جريدة (نيويورك تايمز) في 9/3/1964 – وكان
حينئذٍ متقاعداً: "كان يمكن توسيع نطاق اسرائيل الى اكبر مدى، لو كان موشي
دايان رئيساً لهيئة اركان الحرب اثناء حرب 1948" الذي قال "عندما
اصدر بن غوريون الامر بوقف تقدم جيشنا، وكان يومها رئيساً للوزراء ووزيراً
للدفاع، يتلقى اشد الضغوط من الرئيس الامريكي هاري ترومان – كنا على وشك
الانتصار ومد نفوذنا فيما بين نهر الليطاني شمالاً وصحراء سيناء الى الجنوب
الغربي، لم نكن نحتاج لاكثر من بضعة ايام قتالية حتى نحتل البلاد بكاملها".
ولم
يكن ذلك سوى جولة مؤجلة! فبعد تأميم الرئيس جمال عبدالناصر لقناة السويس، وجد
زعماء اسرائيل الصهاينة في ذلك فرصة سانحة لتحقيق توسع اقليمي جديد، وذلك
بالتحالف مع الانجليز، الذين كانوا يشرفون على القتال، ومع الحكومة الفرنسية،
التي كانت تأمل – وهي منهمكة في حرب الجزائر – ان تضرب في مصر زعماء حرب
التحرير وحليفتهم. وتم التخطيط لهذه الحملة في فرنسا، على يد موشي دايان
وشمعون بيريز من الجانب الاسرائيلي، والجنرال شال، من الجانب الفرنسي، و"شال"
هذا سيكون احد المشتركين في "مؤامرة الجنرالات" بالجزائر
ضد دوغول، فيما بعد .
اوقف
الامريكيون والسوفيات هذه الحملة الجديدة، لكن النية ظلت مبيتة فقد كتب مناحم
بيغن يقول: "(آرتس)- أي فلسطين - سوف ترد الى شعب اسرائيل بكاملها والى الابد".
في عام
1967، قرر القادة الاسرائيليون تحقيق قفزة الى الامام والحرب هي
دائما سبيلهم الى
حل مشاكلهم. اذ ان عدد العاطلين عن العمل لديهم عام 1967 بلغ 69 الفاً من اصل
القوة العاملة التي تقدر بـ 950 الف شخص. وتجاوزت الهجرة المعاكسة هجرة
القادمين (عشرة آلاف مواطن تقريباً كانوا يغادرون اسرائيل سنوياً) ومدخول
الاموال الآتية من يهود الخارج (من امريكا خصوصاً) كان في ادنى مراتبه ومن
شأن حرب مظفرة ان تحل كل تلك المشاكل دفعة واحدة: التجنيد واحتلال مناطق
جديدة، من اجل تصفية البطالة، وجلبة وصياح حول ما يهدد "امن" اسرائيلن لتنشيط
عمليات جمع المال.. ثم النصر: لاعادة الثقة الى نفوس المهاجرين! وفكرة "الحرب
الوقائية" كانت في مناطق النظام الصهيوني، ففي 12/10/1955 اعلن مناحيم بيغن،
في الكنيست: "اعتقد مخلصاً بوجوب حرب وقائية ضد الدول العربية، دون ادنى تردد
وبهذا نحقق هدفينا:
- الاول: تدمير القدرة العربية.
- الثاني: توسيع ارضنا.
- وان حرب 1967 الوقائية (حرب الايام الستة) بدأت بعملية مشابهة لتلك
التي قام بها الفاشستيون اليابانيون، يوم 7/12/1941، في بيرل هاربور (جزر
الهاواي) حينما باغتوا الاسطول الامريكي في الباسفيك ودمروه، دون سابق اعلان
الحرب، ففي الخامس من حزيران (يونيو) 1967، هاجمت الطائرات الاسرائيلية مصر –
دون اعلان للحرب – ودمرت الطيران المصري الجاثم على الارض!.
- وفي 12/6/1967، اعلن رئيس الوزراء: ليفي اشكول، امام الكنيست:
"صحيح ان وجود دولة اسرائيل كان يتعلق بخيط رفيع، لكن تطلعات الزعماء العرب
الى ابادة اسرائيل قد اخمدت" الا ان اياً من الساسة الاسرائيليين لم يكن
ليصدق هذه الكذبة المعدة للسذج، وللاستعمال الخارجي والداخلي، وقد فضحها
الوزير الاسرائيلي السابق مردخاي بنتوف، حينما صرح لجريدة (علهمشمار) يوم
14/4/1972، قائلاً:
كل هذه القصص حول خطر الابادة كانت مخترعة وملفقة ومضخمة بقصد تبرير ضم مناطق
عربية جديدة" هذا ما اكده الجنرال عازر وايزمن (في عدد 19/4/1972 من جريدة
معاريف) حينما قال: "ابداً لم يكن هناك اي خطر ابادة" وكذلك الجنرال بيليد،
الذي قال (لجريدة هآرتس 19/3/1972): "ان النظرية التي جعلت من خطر المذابح
والابادة سيفاً مسلطاً على رقابنا في حزيران 1967، والتي صوت اسرائيل وكأنها
تكافح من اجل وجودها المادي، لم تكن سوى خدعة نشأت وترعرعت عقب الحرب". بل ان
الجنرال رابين نفسه كتب (في نفس الجريدة المذكورة وفي جريدة لوموند الفرنسية
عدد 3/6/1972): "لا اظن ان جمال عبدالناصر يريد الحرب وان الفرقتين
العسكريتين اللتين ارسلهما الى سيناء، يوم 14 مايو، لم تكونا كافيتين للهجوم
على اسرائيل. كان يعرف ذلك تماماً كما كنا نعرف". وهكذا اجتمع العدوان والكذب
ليتيحا لاسرائيل احتلال سيناء. اما الكذب، فلأن الممثلين الرسميين لدولة
اسرائيل ما يزالوا يؤكدون بانهم لا يسعون الى اي ضم للاراضي "اسرائيل لا تطمع
بأي جزء من اراضي جيرانها" (تصريح اسرائيل لدى الأمم المتحدة ميخائيل كومي في
8/11/1966) وثيقة رقم (1/س ب س - ب ف/505) من وثائق هيئة الأمم المتحدة،
وبينما كان (موشي دايان) قد صرح للاذاعة الاسرائيلية يوم 5/6/1967 بانه "لم
تكن هناك خطة للغزو" نجد في تصريحات الجنرال هود، قائد الطيران الاسرائيلي،
نقيضاً لذلك حينما قال بأن "استعدادات 16 سنة متواصلة، نفذت خلال ثمانين
دقيقة فقط". (يعني الهجوم في 5/11/1967) "لقد عشنا في هذه الخطة. وكنا نتدرب
على تنفيذها باستمرار" .
واثمر
الغدر. اذ صار الصهيونيون يحتلون بعد حرب 1967، مساحة من الارض تعادل ثلاثة
اضعاف ما حدد لهم قرار التقسيم عام 1947. ومع ذلك، فقد عادت شهوتهم الى
فتوحات جديدة للظهور من جديد. فمنذ شهر يوليو 1968، عاد موشي دايان للتصريح
"خلال السنوات المئة الاخيرة، عمد شعبنا الى بناء هذا البلد والامة، والى
توسيع نطاقهما، بجلب مزيد من اليهود وبناء المزيد من المستوطنات، لتوسيع
حدودنا. فلا ندع احداً من اليهود يقول بان هذا السياق قد انتهى. ولا ندع اي
يهودي يظن بأننا سنحط الرحال قريباً".
وكانت
غولدا مائير عام 1972، قد اجابت على السؤال التالي في مقابلة صحفية: "اي
المناطق تعتبرينها ضرورية لامن اسرائيل" - "اذا كنت تقصد انه كان علينا ترسيم
حدود معينة، فهذا ما لم نفعله.. لكن احدث النقاط الاساسية في سياسة اسرائيل،
هي انه لا سبيل الى العودة الى حدود ما قبل حرب 1967 في اي معاهدة سلام، اذ
لا بد من اجراء تغييرات في تلك الحدود، اننا نريد التغيير في حدودنا من اجل
سلامتنا".
وبعد
وقفة 1973 العنيفة، استمر تصعيد سياسة اسرائيل الاستعمارية بعناد واصرار،
وعلى الاخص بعد اتفاقية كامب ديفيد في سبتمبر (ايلول) 1978 (ميونخ المصرية)
التي سهلت مضاعفة عدد المستوطنات السكنية في المناطق المحتلة، وضم القدس،
وهضبة الجولان، ثم في عام 1982.. غزو لبنان!! والذي اضفى اهمية على الاعتداء
على لبنان، عام 1982 ليس له طابع استثنائي، او طابع غير متوقع، لان العملية
كانت مهيأة منذ عشرات السنين.. ومندمجة في مفهوم صراع الاستعمار والفاشية
الاسرائيليين من اجل "المجال الحيوي" والجيد في الامر، هو ان عدداً كبيراً
من اليهود في العالم، وبعضهم في اسرائيل نفسها، وملايين من الغربيين، بدأوا
يعون، لاول مرة، الخديعة التي انطلقت عليهم منذ اكثر من ثلث قرن من الزمان،
ومن المحزن انه كان لا بد من قتل عشرات الالوف من الرجال والنساء والاطفال
والشيوخ، وتدمير بيروت وفظائع صبرا وشاتيلا، لكي يطل - من وراء ضباب الوهم
الذي اعمى الابصار - ذلك الوجه الحقيقي، الاستعماري، العنصري، الفتان، لنظرية
الصهيونية السياسية وتطبيق السياسة الحقيقية لدولة اسرائيل.
واصبح
الكذب فاضحاً، الى الحد الذي صعب معه تبين الحقيقة وفظاعتها، رغم كل محاولات
الصحافة والتلفزة في تمويه الامور والتخفيف من حدتها.
وكانت
اولى الحجج التي ابديت، تبريراً للاعتداء على لبنان، هي محاولة اغتيال السفير
الاسرائيلي في لندن، والملصقة بمنظمة التحرير الفلسطينية على الفور. وعلى اثر
توقيف الفاعلين والتحقيق معهم، كشفت رئيسة الوزراء مارغريت تاتشر عن ملابسات
الحادث، فقالت: "في القائمة التي وجدت مع الفاعلين والمتضمنة لاسماء اشخاص
ينوي هؤلاء قتلهم، ورد اسم المسؤول عن مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في
لندن. مما يثبت ان المهاجمين غير مدفوعين من قبل المنظمة الفلسطينية كما زعمت
اسرائيل. وفي اعتقادي ان الهجوم الاسرائيلي على لبنان ليس انتقاماً لمحاولة
اغتيال السفير.. هذه التي وجد الاسرائيليون فيها حجة لخوض حرب جديدة" .
هذا
التكذيب للدعاية الاسرائيلية مر في فرنسا مروراً خاطفاً بينما هو قد الغى
اسطورة "الدفاع الشرعي عن النفس" التي استخدمته كمبرر لذلك العدوان الجديد.
وتتالت الاكاذيب، بعد ذلك بشأن اهداف الحرب، التي دعيت بـ"عملية سلام الجليل"
والتي افترض انها ترمي الى تأمين هامش امني يمتد الى اربعين كيلو متراً من
الحدود. وافسحت قوات الامم المتحدة المجال لمرور الجيش الاسرائيلي، الذي
اندفع نحو بيروت. وبعد خراب بيروت، نصب بيغن على خرائبها رئيساً، كانت
اسرائيل قد سلحته منذ زمن طويل، وهيأته لحسابها.
وعندما
ابدى بشير الجميل قليلاً من الطاعة، نسف وهو في وسط مركز اركانه رغم مناعة
هذا المركز وعدم امكان الوصول اليه دون موافقة من الجيش الاسرائيلي. وقد تذرع
هذا الجيش بحجة الاغتيال لتشديد قبضته وذلك - حسب قول الحكومة الاسرائيلية -
لفرض النظام، ومنع الانتقام والتصفيات.
في هذا
الوقت بالذات، وعلى بعد مئتي متر من مقر القيادة العسكرية الاسرائيلية، وتحت
انظارها، وتحت ضياء قنابلها المضيئة ليلاً، قام "اعوان" المحتل الاسرائيلي
بمجزرة جماعية منظمة استمرت ثلاثة ايام، تم ذبح اولئك الذين كان الزعماء
الاسرائيليون يهدفون الى ابادتهم، ولخص بيغن الموضوع كله بجملة واحدة: "غير
يهود قد قتلوا غير يهود" وهذا ليس سوى ظاهر القصة، التي ينبغي النظر الى
مضمونها كمرحلة بين كثير مثلها، من مراحل تحقيق مشروع الصهيونية السياسية
"اسرائيل الكبرى".
ففي وقت
لم يهاجم خلاله اي دبلوماسي اسرائيلي، ولن تكن فيه منظمة التحرير الفلسطيني
موجودة اصلاً، ولم يهدد فيه اي ارهاب امن الجليل، كان ذكر غزو لبنان وارداً
في البرنامج الزمني لعمليات ضم الاراضي الى اسرائيل، فقد كتب بن غوريون، في
(يومياته) بتاريخ 21/5/1948، ما يلي:
"يشكل
لبنان نقطة ضعف في التكاتف العربي.. فالتفوق العددي الاسلامي فيه مصطنع،
ويمكن التقليل من شأنه بسهولة. ويجب ان تنشأ فيه دولة مسيحية، تكون حدودها
الجنوبية عند نهر الليطاني، ونعقد معها معاهدة تحالف. ومن ثم، حينما نكون قد
حطمنا القوة العسكرية العربية، وضربنا عمان بالقنابل، وسنمشط شرقي الاردن،
لتسقط سوريا بعد ذلك. ولو تجرأت مصر وحاربتنا، فسنقصف بور سعيد، والاسكندرية،
والقاهرة، بالقنابل. وهكذا ننهي الحرب، وننتقم لاجدادنا في مصر، وآشور،
والكلدانيين" .
وهنا
يتحقق المرء، على ضوء الاحداث الراهنة، كم يمكن للهلوسة الميثولوجية لدى
صهيونية متعجرفة، ان توقع بآلاف المخلوقات الحية من سفك دماء، وذرف دموع.
وقبل
توفر مبررات الهجوم على لبنان بوقت طويل، ادخل موشي دايان بعض التحسينات على
"السيناريو" الذي وضعه بن غوريون لغزو لبنان. ففي عام 1954، يوم لم يكن
الضابط (سعد حداد) - هذه الدمية الدموية بيد بيغن - سوى صبي غرير.. يطالعنا
موشي دايان بالخطة التالية المنشورة في "يوميات" موشي شاريت، احد رؤساء
الوزارة الاسرائيلية السابقين، وبتاريخ 16/6/1955، حيث يقول شاريت: "وفقاً
لدايان، بالامر الضروري الوحيد هو العثور على ضابط صغير الرتبة، اما ان نتوصل
الى اقناعه، او نشتريه بالمال، من اجل ان يقبل باعلان نفسه منقذاً للسكان
الموارنة (المسيحيين). وعندئذٍ يدخل الجيش الاسرائيلي لبنان، فيحتل المنطقة
اللازمة. ويقيم نظاماً مسيحياً يكون حليفاً لاسرائيل. اما المنطقة الواقعة
جنوبي نهر الليطاني، فتضم نهائياً لاسرائيل".
وبعد
بضعة ايام من يومياته، يكتب شاريت هذه الملاحظة"
-
"استحسن رئيس هيئة اركان الحرب فكرة شراء ضابط (لبناني) يقبل بان يكون دمية
في يدنا، بطريقة تجعل الجيش الاسرائيلي يبدو وكأنه يستجيب لنداء من اجل تحرير
لبنان من مضطهديه المسلمين".
وهكذا
يتضح جلياً - وبعيداً عن خرافات "الامن" او "سلام الجليل" - معنى حرب لبنان،
كما كشف عنه، الوزير الجديد لبيغن: البروفسور (ني امام) - من الحزب الوطني
الديني، من اقصى اليمين (ها تحيا) - حينما قال:
"فرصة ممتازة تسمح لاسرائيل، لكي تقيم نظاماً جديداً في لبنان.. ويجب على
الجيش ان يتهيأ طويلاً. خلال هذا الوقت، ستتمكن اسرائيل من تحسين وضعها
الاقتصادي والتقني في هذه المنطقة التي تشكل - من الوجهة التاريخية - جزءاً
لا يتجزء من ارض اسرائيل كما سيكون بامكانها ادخال الجزء الجنوبي من لبنان،
حتى الليطاني، ضمن خطة التنمية" . وكما هو معتاد، بعد كل تصعيد للموقف، ينادي
الزعماء الاسرائيليون بوجوب المضي بعيداً من اجل تحقيق الخطة البعيدة المدى،
المعتمدة من الصهيونية السياسية. وها هو الان ارييل شارون، يرى "باننا لم نقم
بعد، الا بجزء يسير من العمل" .
وينطبق
على هذه الحرب كما يصدق على غيرها من حروب اسرائيل، ما قاله البروفسور
"ليبوفتز" في مؤتمره الصحفي يوم 14/6/1982، من ان "الهدف من هذه الحرب هو
التحضير للحرب التي تليها".
ويحدث
كل هذا، في الواقع، كما لو ان القادة الصهيونيين يطبقون حرفياً ما جاء في
كتاب يوشع "كل مكان تدوسه بطون اقدامكم، اعطيه لكم".
انه
مفهوم "اسرائيل الكبرى" هدف الصهيونية السياسية الدائم وهو ما عناه قائد
الاحتياط الجنرال غازيت، الرئيس الحالي لجامعة بن غوريون، في بير السبع، وهو
يستعرض الغايات الجوهرية الكامنة وراء الازمة الاسرائيلية العربية:
"يجب ان
تكون ارض اسرائيل ذات يوم، وبمجموعها، تحت السيطرة الاسرائيلية، بل ومندمجة
في الدولة اليهودية، وعلى اسرائيل ان تقر بالضرورة الملحة لحل جذري لمشكلة
الوجود العربي فوق الارض التاريخية العائدة لاسرائيل" .
في
الداخل: طرد العرب من فلسطين.. وفي الخارج: العمل على تفتيت الدول العربية..
وهما جناحا المشروع الصهيوني.
في مقال - تحت عنوان
"إسرائيل الكبرى" - نشرته مجلة "كيفونيم"
Kivonim التي تصدرها
"المنظمة الصهيونية العالمية" في القدس
(العدد 14 فبراير، شباط 1982) - و هي النشرة
الناطقة الرسمية باسم هذه المنظمة اليهودية
العالمية - تستعرض
المنظمة الصهيونية العالمية بعضا من
استراتيجية اسرائيل. و هدا النص
يعري نوايا و
خطط و مؤامرات اليهود و
الدولة اليهودية
لتفتيت و تمزيق كل الدول العربية
و الاسلامية. إلا أن
مؤامرات كبرى على هذا النطاق الواسع
- بالاضافة الى ظعف الدول العربية
والاسلامية ودول العالم الثالث - لا تشكل مجرد
عنترية صهيونية - بل إنها تشكل
خطرا حقيقيا لنشوب حرب عالمية ثالثة
قد يستتبعه التورط في حرب نووية قد تؤدي
الى انتحار كوكبنا الارضي! إن
هذه الخطط اليهودية الشيطانية لا
يقتصر خطرها على
جزء محدود من العالم بل انه يهدد جميع
الشعوب تهديدا فعليا نظراً لان الدويلة
اليهودية قد حققت فعلا - حتى الان
- كل ما خططت له. وفي ما يلي، نورد
من هذا المقال الصادر
عن "المنظمة الصهيونية العالمية"،
الفقرات الأكثر دلالة والكاشفة عن
أبعاد أحلام اليهود
و المعنون بـ"إسرائيل الكبرى"
ننشره حرفيا كما نشر في مجلة
"كيفونيم" التي تصدرها "المنظمة الصهيونية
العالمية" في القدس (العدد 14 فبراير، شباط
1982):
|
"استرداد
سيناء، بمواردها الحالية هو هدفنا
الأولي. وعلينا ان نعمل على استعادتها.
ان وضع مصر الاقتصادي، وطبيعة نظامها، وسياستها العربية هي قنوات تصب
في نقطة واحدة تستدعي من اسرائيل مواجهتها. ومصر وبحكم ازماتها
الداخلية، لم تعد تمثل بالنسبة لنا مشكلة استراتيجية، وسيكون بالامكان،
خلال 24 ساعة فقط، اعادتها الى ما كانت عليه قبل حرب يونيو (حزيران)
1967، فقد تلاشى تماماً وهمها بزعامة مصر
للعالم العربي. وقد خسرت - في مواجهة
اسرائيل خمسين بالمائة من قوتها. واذا هي استطاعت الافادة - في
المستقبل المنظور - من استعادتها لسيناء، فان ذلك لن يغير في ميزان
القوى شيئا. كذلك فقد فقدت تماسكها
ومركزيتها، وخاصة بعد تفاقم حدة الاحتكاك بين مسلميها ومسيحييها، لذا ينبغي
علينا كهدفنا السياسي الاساسي
بعد التسعينات، على الجبهة الغربية،
أن نعمل على تقسيم مصر و تفتيتها الى
اقاليم جغرافية متفرقة.
وعندما تصبح مصر هكدا مجزأة، وبدون
سلطة مركزية سنعمل على تفيكك
كيانانات دول اسلامية
اخرى كليبيا والسودان وغيرهما، ونعمل على
تشكيل دولة قبطية في أعالي مصر، و
اقامة كيانات اقليمية انفصالية ضعيفة
أخرى في كل البلدان الاسلامية، مما سيبداء
به تطور تاريخي حتمي على المدى
الطويل رغم الظواهر. والمشاكل
القائمة في الجبهة الغربية
حاليا، تقل كثيراً عن مثيلاتها في الجبهة الشرقية.
ان تقسيم لبنان الى خمسة اقاليم،
سيكون مقدمة لما
سيحدث في مختلف ارجاء العالم العربي. وتفتيت
سوريا والعراق الى مناطق محددة على اسس المعايير العرقية
او الدينية، يجب ان يكون - على المدعى البعيد - هدفاً اولوياً
لاسرائيل، علماً بان المرحلة الاولى منه تتمثل في تحطيم القوة العسكرية
لدى هاتين الدولتين. "
"ان البنية الطائفية
لسوريا ستساعدنا على تفكيكها
يمكن الى دولة شيعية على طول الساحل الغربي، ودولة سنية في منطقة حلب،
واخرى في دمشق، وكيان درزي سيقاتل بدعمنا
لتشكيل دولة انفصالية
- بالجولان - من حوران وشمالي المملكة الاردنية.
ودولة كهذه من شأنها ان تكون - على المدى البعيد -
قوة لنا. وتحقيق هذا
الهدف هو في متناول ايدينا. والعراق - الغني بنفطه، والفريسة
للصراعات الداخلية، هو في مرمى التستيد الاسرائيلي. وانهياره
سيكون - بالنسبة الينا - اهم من انهيارل
سوريا، لان العراق يمثل اقوى تهديد لاسرائيل، في المدى المنظور.
واندلاع حرب بينه وبين سوريا سيسهل انهياره
الداخلي، قبل ان يتمكن من توجيه حملة واسعة النطاق ضدنا علماً بان كل
مواجهة بين عرب وعرب، ستكون مفيدة جدا لنا،
لأنها ستقرب ساعة الانفجار المرتقب.
ومن الممكن ان تعجل الحرب الحالية مع ايران، بحلول
تلك الساعة. ثم ان شبه جزيرة العرب مهيأة لتفكك و
انهيار من هذا القبيل، تحت ضغوط
داخلية. كما هو الحال في المملكة العربية السعودية بالذات حيث يتمشى
اشتداد الازمات الداخلية وسقوط النظام الملكي، مع منطق بنيتها السياسية
الراهنة. وتعتبر المملكة الاردنية هدفاً استراتيجياً
لنا في الوقت الحاضر. وهي لن تشكل -
في المدى البعيد - تهديداً لنا، بعد تفككها
ونهاية حكم الحسين، وانتقال السلطة الى يد الاكثرية الفلسطينية. وهو ما
ينبغي على السياسة الاسرائيلية ان تتطلع اليه وتعمل
من أجله. ان هذا التغيير
سيعني حل مشكلة الضفة الغربية، ذات الكثافة
الشديدة من السكان العرب. اذ ان هجرة هؤلاء
العرب الى الشرق نحو هلأردن - سلماً او
حرباً - وتجميد و توقيف
نموهمهم الاقتصادي والدمغرافيي، هما
ضمانة للتحولات القادمة التي سنفرضها،
وعلينا بذل كل الجهود من اجل الاسراع بهذا المسار.
و يجب استبعاد ورفض خطة الحكم
الذاتي، أو أي
خطة أخرى تهدف الى
تسوية او الى مشاركة أو
تعايش. على العرب الاسرائيليين - وضمنياً
كل الفلسطينيون - ان نجعلهم بالقوة يقتنعون
انهم لن يستطيعوا اقامة وطن
و دولة الا في المملكة الاردنية. ولن يعرفوا الامان الا
باعترافهم بالسيادة اليهودية فيما بين البحر المتوسط ونهر الاردن.
وفي عصر الذرة هذا، لم يعد ممكناً قبول تزاحم ارباع السكان اليهود داخل
منطقة ساحلية مكتظة بآهليها ومعرضة لتقلبات الطبيعة. لذا، فان
تشتيت و ابعاد العرب هو من اولى واجبات
سياستنا الداخلية0 فيهودا والسامرة والجليل،
هي الضمانات الوحيدة لبقائنا الوطني، واذا لم نصبح الاكثرية في المناطق
الجبلية، فيخشى ان يحل بنا مصير الصليبيين، الذين فقدوا هذه البلاد،
كما ان اعادة التوازن على الصعيد الدمغرافي
والاستراتيجي والاقتصادي، يجب ان يكون مطمحاً رئيسياً لنا. وهذا ينطوي
على ضرورة السيطرة على الموارد المائية في المنطقة
كلها الواقعة بين بئر السبع والجليل الاعلى، والخالية من اليهود
حالياً"
(انتهى نص مقال المنظمة
الصهيونية العالمية
كما نشر في
مجلتها
"كيفونيم" الصادرة في القدس (العدد 14
فبراير، شباط 1982)
|
ان مشروع الصهيونية
اليهودية الإستعماري العنصري هذا يهدف - كما
يفصح عنه بوضوح مقال مجلة "كيفونيم" أعلاه -
الى طرد الفلسطينيين وإغتصاب أرضهم و حقوقهم وإبعادهم تشريدهم،
و شن حروب عدوانية توسعية في
كل الشرق الاوسط ثم ، واخيراً، تفتيت و تمزيق كيان الدول
العربية و الإسلامية جمعاء.
وهذا يشكل تهديداً حقيقيا على السلام العالمي.
ربما
تبدو هذه المفارقات في ان بلداً صغير المساحة، محدود السكان، كاسرائيل، يمكن ان
يؤدي دوراً خطيرا على مسرح السياسة الدولية.
لقد اصبح لدور اسرائيل، كشرطي في الشرق الاوسط0
والملفت للنظر ان الولايات المتحدة تزود الجيش الاسرائيلي بأحدث الاسلحة
المتطورة، تخبرنا صحيفة "الانترناشيونال هيرالدتريبيون" في عددها الصادر يوم
22/7/1982، بان الحكومة الاسرائيلية قد انفقت تلك السنة خمسة مليارات ونصف
المليار من الدولارات، على التسليح والتجهيز العسكري. علماً بان ثلث هذا
المبلغ يتأتى من الخزينة الامريكية. وقد حصل الجيش الاسرائيلي على معظم
تجهيزاته العسكرية، بموجب برنامج المساعدات العسكرية الامريكية للخارج،
البرنامج الذي اعطى اسرائيل (15) مليار دولار - من اصل (28) مليار وزعت على
العالم منذ عام 1951. وبين الـ(567) طائرة، التي كانت بحوزة اسرائيل عشية غزو
لبنان، هناك (475) طائرة حصلت عليها من الولايات
المتحدة الامريكية بفضل المنح والقروض المقدمة من حكومة واشنطن.
باستثناء تأجيل تسليم القنابل الانشطارية (التي بات بإمكان الاسرائيليين
صنعها الان) فان الامريكيين لم ينقطعوا يوماً عن تزويد اسرائيل بالسلاح وفقاً
لتصريحات المسؤولين في وزارة الدفاع الامريكية (البنتاغون) والرسميين
الاسرائيليين ايضاً، هذا وسيتم (كالمعتاد) بيع (11) طائرة من نوع أف/15
لاسرائيل. بالاضافة الى تسليمها - حسب الموضوع سلفاً - طائرات وصواريخ ذاتية
التوجيه وشاحنات ومركبات اخرى ومصفحة.
ويتلقى
"البنتاغون" من اسرائيل معلومات مفصلة حول خصائص تجارب
السلاح الذي تتلقاه. ولم يجرب الجيش الامريكي البعض منه بعد. كما
سيكون الحال بالنسبة لطائرة الاستكشاف (هوكي) التي استخدمت
لأول مرة في حرب لبنان، ضد الاهداف البعيدة في
العمق السوري.
وهكذا
يستطيع الجيش الامريكي تجربة ادق اسلحته الهجومية، بواسطة جيش آخر هو اشد
فعالية من اي فرقة امريكية منقولة.
من وجهة
النظر "الجيوبوليتيكية" - حسب تعبير النازيين الهتلريين - فان حكومة جنوب
افريقيا وحدها، تستطيع تقديم خدمات مماثلة، (رغم ضآلتها بالمقارنة مع مثيلتها
اسرائيل) نظراً لان تلك الحكومة تسيطر على طريق اخر (غير السويس) الى آسيا
عبر الرجاء الصالح.. وتمارس ضغطاً قوياً على افريقيا.
هذا
التكامل الجلي بين اسرائيل وجنوب افريقيا، وعاه قياديو البلدين وترجموه الى
تضامن و تعاون وثيق، وخاصة انه مصحوب بتشابه في الانظمة (التمييز العنصري) وفي
المواقف (منازعات مستمرة مع الافارقة السود، من جهة، ومع العالم العربي، من
جهة اخرى).
وفي عام
1967، حددت مجلة (الشؤون اليهودية)، ذلك "التكامل" الاستراتيجي، بدقة تامة،
فقالت: "ترى حكومة جنوب افريقيا ان الشرق الاوسط - حيث تتولى اسرائيل الحراسة
كخفير متواضع، لا يمكن تغييره. مع ذلك - الخط المتقدم لدفاعها عن ذاتها.
بعبارة اخرى، ان اسرائيل تحمي، بل عليها ان تحمي الممر الذي قد يتحول الى
اخطر سبل الاتصال، في حال الاعتداء. ان اهمية مستقبل الممر المائي بين البحر
الابيض المتوسط والحيط الهندي - والتي تعتبر اساسية بالنسبة لاسرائيل - لهي
كذلك بالنسبة لجنوب افريقيا، وبنفس القدر من اهمية حماية طريق رأس
الرجاء الصالح (الكاب).
واذا تأتى لهذه المنطقة ان تقع بين ايد معادية، فسيتعطل الطريق البحري نحو
"الكاب" وتزداد خطورة المسائل الامنية بالنسبة لجنوب افريقيا. اما بالنسبة
لاسرائيل، فان وجود امة يقظة ومتينة الاقتصاد، في اقصى جنوب القارة
الافريقية، يمثل عنصراً جوهرياً في اي استراتيجية فعالة ترمي الى تأمين
مؤخرتها".
وقد
ترجم التكامل بين اسرائيل وجنوب افريقيا الى اعمال مشهودة على ارض الواقع..
كمجيء "فوستر" الى اسرائيل عام 1967 في رحلة ذات دلالة بعيدة، نظراً لان
"فورستر" رئيس البلد المتميز بتمييزه العنصري الصارخ، كان برتبة جنرال اثناء
الحرب العالمية الثانية، في "المنظمة المناصرة للنازية" "اوساوا برنداوغ"
كما ترجم الى تعاون عسكري، وتجاري، وثقافي وثيق. اثناء هذه الزيارات، كتبت
الصحيفة الاسرائيلية هآرتس في عددها الصادر يوم 26/4/1976، ما يلي:
- "كيف
حدث ان ماضي فورستر لم يثر اهتمامنا نحن الذين كنا شديدي الاهتمام بتفحص مسلك
اشخاص ادنى اهمية اثناء الحرب العالمية الثانية؟ هل لان مصلحة اسرائيل
القومية هي اهم من الذكرى المقدسة لستة ملايين ضحية من ضحايا الهولوكوست
النازي؟".
لقد
ازدادت العلاقات متانة منذ ان اجرى شمعون بيريز، و(بوتا) وزير الدفاع في
حكومة جنوب افريقيا اولى المفاوضات بين البلدين عام 1970 ودأبت شركات جنوب
افريقياً على استخدام اسرائيل سبيلاً للإفلات من العقوبات الاقتصادية
المفروضة ضد جنوب افريقيا من قبل بقية دول العالم.. كما ان الاتفاقية القائمة
بين اسرائيل ومنظمة السوق الاوروبية الشتركة، على الصعيد الاقتصادي والصناعي
وكذلك العلمي، بدأت تتيح لتلك الشركات ادخال منتجاتها الى بلاد السوق
الاوروبية المشتركة.
-
"..ولكن، مع وجود العلاقات الاخرى، يعتبر الاتفاق بين البلدين على الصعيد
العسكري هو الاهم والاساسي" .
وقد
اكدت جريدة تايمس اللندنية، الصادرة في 3/4/1976، ما يلي:
"نتيجة لمنع تداول السلاح، تعاني حكومة جنوب افريقيا بعض الصعوبات في التزود
بالاجهزة الحديثة، واسرائيل هي احدى الدول التي تزودها بما تحتاج اليه من
سلاح، وتجعلها تستفيد من التجارب المكتسبة من الحروب ضد العرب، وخلال السنوات
الاخيرة، زاد الشبه بين جنوب افريقيا وبين اسرائيل وعلى الاخص بين تطور
النظام الصهيوني وتطور النظام الافريقي الجنوبي".
وفي
رسالة لسكرتير الأمم المتحدة عام 1976 قال رئيس المؤتمر اليهودي الامريكي،
بانه "يلاحظ مع الاسف، ان اسرائيل تعتبر بين عدد من الدول التي تزود جنوب
افريقيا بالاسلحة" .
وتدفع
حكومة جنوب افريقيا لقاء هذا: معدن الاورانيوم المتوفر لديها، والمطلوب من
جانب اسرائيل، التي زخرت ترسانتها بعد نوفمبر 1976 بعدد من القنابل الذرية،
من طراز قنبلة هيروشيما، يتراوح بين 13 و 20 قنبلة .
ونشرت
الجريدة الاسرائيلية هآرتس في 29/6/1975 مقالاً لـ"شلومو آرنسون" يلح فيه
الكاتب على "ضرورة اعادة دراسة الموقف الاستراتيجي السياسي الاسرائيلي"..
ويقول: "السلاح النووي هو احدى الوسائل التي يمكن ان تخنق امل العرب في تحقيق
انتصار نهائي على اسرائيل. ان بعض القنابل الذرية تكفي لالحاق اضرار جسيمة
بجميع العواصم العربية، وللتسبب في انهيار سد اسوان وبكمية اضافية، نستطيع
اصابة المدن متوسطة الحجم، والمنشآت البترولية. ان في العالم العربي مئات
الاهداف التي ينزع تدميرها من كل الامتيازات التي جنوها من حرب الغفران
(1973)".
كيف
امكن لدولة اسرائيل الصهيونية ان تنال هذه الاهمية الاستراتيجية الشاملة
للقوى، ما مكنها اليوم من تهديد السلام العالمي؟.
لقد سبق
لهرتزل في كتابه (الدولة اليهودية) ان قال بوضوح تام: - "بالنسبة لاوروبا،
نشكل في فلسطين حامي الحضارة من الهجمات البربرية".. ولكن ومنذ ذلك الوقت، لم
تكتفِ دولة اسرائيل بان تكون وكيلة الاستعماريين الغربيين في الشرق الاوسط..
بل اصبحت بيد الولايات المتحدة الامريكية حجر الاساس في ميزان القوى فوق رقعة
الشطرنج للسياسة العالمية.
ويستخدم
ساسة اسرائيل الصهاينة هذه الحجة كثيراً. فهم، في مقال "كيفونيم" الذي سبقت
الاشارة اليه (فبراير 1982) يستعيدون تناول اهم مسائل "الحرب الباردة":
"احد
اهداف الاتحاد السوفياتي الرئيسية هو قهر الغرب، بتوصله الى التحكم بالموارد
الضخمة الموجودة في الخليج العربي وجنوب افريقيا، وتتركز اغلبية الحاخامات
المعدنية العالمية، ونستطيع تصور ابعاد هذه المواجهة الشاملة التي سيكون
علينا ان نجاببها في المستقبل، ان نظرية "غورشيكو" تطالب بسيطرة سوفياتية على
المحيطات واكثر المناطق الزاخرة بالثروات المعدنية في العالم الثالث، وطبقاً
لمفاهيم الاتحاد السوفياتي الحالية بشأن استخدام الذرة، يمكنه القيام بحرب
نووية، والفوز بها، والبقاء بعدها، وقد حطم قوة الغرب العسكرية، وتحويل سكان
هذا الغرب الى عبيد في خدمة الماركسية اللينينية. ذلك اليوم هو اكبر خطر يهدد
السلام العالمي ووجودنا ذاته" .
هذا
الاستغلال لمناهضة الشيوعية، من قبل شخص من نوعية مناحيم بيغن هو طابع مميز
لمسار الصهيونية السياسية، التي تستطيع التعبير بحذلقة افضل - ودون تعبير في
الجوهر - بلسان شمعون بيريز لتقديم "همجية ذات وجه انساني" واستبدال بيغن
بشمعون بيريز هو ما يتطلع اليه ريغان من اجل متابعة نفس الخط السياسي ولكن
بملامح خارجية اقل تنفيراً.
ولن
تغير تبجحات مناحيم بيغن من الحقيقة شيئاً: اذ ان ارتباط اسرائيل وماليتها
وتسلحها بالولايات المتحدة الامريكية هو ارتباط عضوي قام بعد قيام اسرائيل
بضم الجولان اليها ورداً على التحذيرات الشفهية من جانب ادارة ريغان، ابلغ
سفير الولايات المتحدة الامريكية بملاحظة كان اهم ما فيها قوله: "مرة اخرى،
تعلنون عنعزمكم على معاقبة اسرائيل.. فماذا تعني عبارة كهذه؟. اترانا من
اتباع الولايات المتحدة؟ ام اننا من جمهوريات الموز؟ انكم لن تنجحوا في
تخويفنا.. فلقد عاش شعب اسرائيل (3700) سنة دون ائتلاف على الشكل القائم الان
مع امريكا، وسيتابع مسيرته دونما حاجة اليه لمدة (3700) سنة اخرى…".
ولا خطر
من تبجح بيغن هذا، لان سياسة الصهيونية الاسرائيلية تتطابق تماماً مع مرامي
السياسة العالمية للولايات المتحدة، وتؤدي فيها دوراً فريداً يتعذر على غيرها
ان يشغله. مما يسمح للحكومة الاسرائيلية ان تفعل او تقول ما تشاء.
وعلى كل
حال، فان لتمويل دولة اسرائيل خاصية تميز طبيعة هذه الدولة.
خلال
"مؤتمر المليارديرات اليهود" الذي عقد في القدس، في 9 و10 اغسطس (آب) عام
1967، كشف "بنحاس سابير" وزير المالية الاسرائيلي عن تلقي اسرائيل مبلغ سبعة
ملياردات من الدولارات بين 1949 و1966. ولتقدير دلالة هذا الرقم يكفي التذكير
بان المساعدات المقدمة بموجب خطة مارشال الامريكية الى اوروبا الغربية بين
1948 و1954، بلغت 13 مليار دولار.. اي ان دولة اسرائيل تلقت من اجل مليوني
نسمة - عدد سكانها ذلك الوقت - اكثر من نصف ما تلقاه (200) مليون اوروبي، اي
مئة ضعف لكل شخص؟!..
وجه ثان
للمقارنة: لم يتجاوز متوسط المساعدات السنوية التي تلقتها "البلدان النامية"
خلال فترة ما بين 1951 و1959، ثلاثة مليارات و167 مليون دولار … بينما تلقت
منها اسرائيل - وعدد سكانها في ذلك الوقت مليون و700 الف نسمة - اي اقل من
واحد بالالف من مجموع سكان الدول النامية - (400) مليون دولار. بعبارة اخرى
تلقى مليونا اسرائيلي مئة ضعف مما تلقاه ملياران من سكان العالم الثالث،
وبمزبد من المقارنات الواضحة نشير الى ان منحة المليارات السبعة من
الدولارات، التي تلقتها اسرائيل خلال ثماني عشرة سنة، تمثل اكثر من مجموع
مداخيل العمل الوطنية في كل الدول العربية المجاورة (مصر، سوريا، لبنان،
الاردن).. وكانت تصل الى ستة مليارات من الدولارات في عام 1965.
وبالنسبة للمساهمة الامريكية في المساعدات، يتبين ان الولايات المتحدة قدمت -
بين 1945 و 1967 (435) دولاراً لكي اسرائيلي و(36) دولاراً لكل عربي. او
بعبارة اخرى قدمت لـ 2,5 % من السكان ثلاثين بالمئة من المساعدات المقدمة لـ
97,5% من الاخرين.
وقد قدر
الاقتصادي الاسرائيلي المعروف دوليا "دون باتمكين" ان صافي الناتج القومي
الاسرائيلي بين 1950 و 1958 - لا يستطع حتى تمويل الاستهلاك الخاص العام،
واستهلاك الرأسمال الموجود ، وبعبارة مبسطة، ان نتاج العمل في اسرائيل، لا
يغطي الاحتياطات، وطبقاً لكتاب الاحصاءات السنوي للحسابات القومية (1965)
الصادر عن الأمم المتحدة، فان تغطية صافي النتاج القومي لكامل احتياجات دولة
اسرائيل، قد تراوحت بين 80 و 83% بينما تجاوزت نسبة الـ 87% حتى في بلاد
كفييتنام، كانت تنيخ تحت وطأة حرب مستمرة، كذلك تجاوزت 80 % في بلد كالاردن،
ولا موارد طبيعية له، وصحراوي في معظمه كما تجاوزت 90 % في بلاد نامية:
كبوليفيا والسودان ومالطا ولبنان.
وتعتبر
دولة اسرائيل الصهيونية اكثر بلاد العالم تعلقاً وارتباطاً بالخارج، وفي
محاولة لملء هذا الفراغ. دعا الزعماء الصهاينة، بعد حرب 1967، الى عقد مؤتمر
سنوي في اسرائيل "المليونيريين" اليهود المتواجدين في الشتات (دياسبورا). وفي
افتتاح اول هذه المؤتمرات، المنعقد في اسرائيل عام 1968. قال الدكتور ياكوب
هرتزوغ، المدير العام لمكتب رئيس الوزراء الاسرائيلي، مجدداً الهدف من تلك
الاجتماعات:
- "يجب
النظر في كيفية جذب اهم الاستثمارات الى اسرائيل، واشراك اصحاب الرساميل
اليهود المقيمين في الشتات بقتصاديات اسرائيل، بطريقة تشعرهم بالمسؤولية
الفعلية.. كما اننا نخطط الان لشيء آخر، لنوع من الحوار الموسع حول مطابقة
الشتات لاسرائيل، في اطار العمل ضد التشبيه بالشتات".
وقد
تكشفت العملية عن كسب مالي كبير، لان المنظمات اليهودية الامريكية ترسل
سنوياً الى اسرائيل مليار دولار وسطياً، وباعتبار ان هذه المشاركات "خيرية"
فانه يتم اسقاطها من ورقة الضرائب المفروضة على واهبيها.. اي انها تقع على
عاتق دافع الضرائب الامريكي، حتى لو استخدمت لمساندة "الجهد الحربي" في
اسرائيل وتمويل اعتداءاتها. الا ان معظم المبالغ يأتي مباشرة من الدولة
الامريكية، التي تتجاوز "مساعداتها" ثلاثة مليارات دولار في السنة الواحدة.
ورغم
القول بانه من المتوقع زيادة هذه المساعدات السنوية البالغة 3 مليارات دولار،
خلال سنة 1982، فان ذلك يتناقض مع التخفيضات المفروضة على الميزانية
الامريكية لصالح برامج سياستها الداخلية وقرابة نصف تلك المساعدات "الرسمية"
هي عبارة عن هبات و"قروض" سرعان ما ينسى امرها، اما الباقي فيضاف الى الديون
الاسرائيلية للخارج، وهذه سريعة التزايد، وتقارب حالياً عشرين مليار دولار.
وبمعدل لا مثيل له من قبل يبلغ خمسة آلاف دولار عن كل شخص من مجموع السكان.
ويتكون
قوام تلك المساعدات السنوية من شحنات الاسلحة التي هيأ لها الكونغرس الامريكي
طريقة تمويل خاصة عبر القرار الذي اصدره عام 1976، بشأن الاشراف على تصدير
السلاح وذلك بدافع من تخفيف الدافع الصارخ لتدفقها السنوي، ولتجنب الانتقادات
العامة.
وهكذا،
ففي سنة 1980 المالية، سمح ببيع سلاح لاسرائيل بقيمة مليار دولار، وتبعه على
الفور نصف هذه القيمة ليعتبر مبلغ الـ 500 مليون دولار بمثابة قروض، ويزيد
الباقي في الديون المترتبة على اسرائيل تجاه الحكومة الامريكية وتمتد مهلة
سداد هذه الديون الى عشرات السنوات. ونظراً للتفاقم المستمر في ازمة اسرائيل
الاقتصادية منذ عام 1973 فقد صار هذا السداد صورياً، ما دامت المساعدات
الامريكية المتجددة والمتزايدة كل عام، تحل محل الدفعات المعادة .
وقد سبق
ان قدمت الحكومة الامريكية لاسرائيل كميات ضخمة من الاسلحة اثناء العدوان
الاسرائيلي عام 1956 على مصر. وبهذا الصدد، كتب الصهيوني ميشيل بار زوهارو" :
اعتباراً من شهر يونيو (حزيران) بدأت كميات ضخمة من السلاح تتدفق على
اسرائيل، بموجب اتفاق فائق السرية يقضي بان لا يعرف بهذه الشحنات لا واشنطن،
ولا الجهاز الانجليزي الفرنسي الامريكي المكلف بمراقبة ميزان القوى في الشرق
الاوسط، ولا الحكومة الفرنسية المعارضة لاي تقارب مع اسرائيل قد يعرض للخطر
ما تبقى من روابط بين فرنسا وين زبائنها العرب".
وتزايدت
المساعدات عن طريق عقود سرية للصيانة والمقاولات، وعلى الاخص في الطيران..
ومثال على ذلك ان مصانع الطيران في اسرائيل تتلقى عقوداً لتصنيع قطع غيار
عائدة لطائرات (أف/4 وأف/15).
واخيراً، تنطوي المساعدات الاقتصادية على تسهيلات مقدمة للصادرات الاسرائيلية
الى الولايات المتحدة الامريكية، تتمثل في اعطائها افضلية على "البلاد
النامية" بحيث يدخل 96% من هذه الصادرات الى الولايات المتحدة (نحو مليار
دولار) معفياً من اي ضريبة. وباختصار، يكفي ايراد رقم واحد لتحديد طابع
الدولة الصهيونية في اسرائيل: فمجموع المساعدات الامريكية التي تتلقاها
وحدها، هو بنسبة (750) دولار لكل فرد من سكان اسرائيل. اي ان هذا "البخشيش"
وحده، المضاف الى المدخول القومي، يعادل ضعف صافي المدخول القومي للفرد في
مصر، او في معظم بلاد افريقيا. وهكذا يتلاشى الكثير من الاساطير، وفي طليعتها
تلك الخدعة الكبرى التي تصور اسرائيل دويلة ضعيفة، مهددة باستمرار بامواج
متلاطمة من العرب، ومحكوم عليها بالكفاح من اجل البقاء على قيد الحياة.. فيما
انها تملك بفضل الولايات المتحدة الامريكية - وسائل تمكنها من الوصول، خلال
48 ساعة، الى دمشق وعمان والقاهرة وبغداد، كما بلغت بيروت.. وليس الخطر
الحقيقي في انها مهددة بالخراب، باستمرار، بل في انها هي التي تشكل تهديداً
دائماً بالاعتداء على جميع جيرانها. والاسطورة (التي بفضلها يتقبل الرأي
العام الغربي كل شيء من اسرائيل، حتى اكثر الجرائم قباحة) اسطورة "المعجزة"
المزعومة لداوود الصغير الذي تصدى للغول العربي، "جالوت" الجبار.. بينما
يستطيع "صغيرنا" داوود بان يثقل مقلاعه بكل اسلحة الولايات المتحدة الامريكية
واموالها.
10
اساليب اسرائيل السياسية: ارهاب
الدولة
ان دولة
اسرائيل الصهيونية تضع كل ثقل امريكا على صدر الشرق الاوسط عند نقطة اتصال
اوروبا وآسيا، والشرق والغرب.
ان ما
يجب ان يضعنا على طريق ايجاد الحلول، هو الكشف - دون خوف او وجل من المحرمات
- عن واقع القسوة والشراسة التي تقوم عليها الصهيونية السياسية، وعن نزعاتها
الاستعمارية والعنصرية، وعن تعسف المنطقة الذي تستخدمه سياسة عدوانها الرامية
الى كسب "مجال حيوي" بحجة حقها الشرعي في "الدفاع عن النفس" والصراع من اجل
البقاء، ان اولى الخطوات على هذا الطريق هي في تجنب التخلق باللاسامية، التي
تمثل انحرافاً فكرياً وهذياناً اجرامياً، موازياً للصهيونية السياسية، والتي
تدعي تحمل المسؤولية عن جميع جرائم هذه الصهيونية السياسية لمجموع الشعب
الاسرائيلي وجميع يهود العالم.. بينما هم - ضحايا تلاعب تلك الصهيونية
السياسية بعقولهم. ورغم فظاعة هذه الضغوط، فقد بدأ يتفتح في اسرائيل نفسها
وفي العالم اجمع الوعي بالمأزق الانتحاري الذي تقود الصهيونية اليه اليهود
وكل الشعوب، في وقت واحد.
بين
طيات هذا الكتاب، او الملف، او التحليل وهذه الافكار، دحضنا عقيدة معينة، هي
عقيدة الصهيونية السياسية وشجبنا سياسة محددة، هي سياسة دولة اسرائيل،
المستقاة من هذه العقيدة. ويتيح هذا المسعى مكافحة اللاسامية بقوة وفعالية،
دون الخلط بين من يحملون هذه العقيدة الشريرة، وما تجره السياسة الناشئة
عنها، على جماهير الشعب الاسرائيلي - حتى ولو كان زعماؤه يخدعونه - وعلى
مجموع يهود الشتات (دياسبورا).
اننا لم
نخلط ابداً بين الشعب الالماني وبين الهتلرية، حتى حينما كان الترويج
للاكاذيب النازية حول التمييز العرقي و"الشعوب البروليتارية" يتلاعب بذلك
الشعب، ويجره، في سياق زعمائه المجرمين، الى تنصيب هتلر "مستشاراً
منتخباً بطريقة ديمقراطية" والالتزام في طاعته في اجرامه.
بيغن،
شارون، شامير: كل نظام "يفرز" الرؤساء الذين يستحقهم. لكننا لا نستطيع اخذ
الشعوب المخدوعة، بجريرة "مرشديها" المضللين. وبعد الجهد المبذول، في بحثنا
هذا، في محاولة منا لتبيان الحقيقة، نرى ان موضع الاتهام ليس هو الانسان الذي
يتولى السلطة، بل النظام الذي اتى بهذا الرجل الى هذه السلطة. صحيح، مثلاً،
ان الثالوث الذي يدير اليوم سياسة اسرائيل الصهيونية، مكون من ثلاثة مجرمي
حرب..
اولهم:
مناحيم بيغن.. الذي اطلق عليه (بن غوريون) بنفسه لقب "الهتلري الحقيقي" .
اثناء اول زيارة قام بها مناحيم بيغن، للولايات المتحدة الامريكية، كتبت
مجموعة من الشخصيات اليهودية - وفي طليعتها البرت اينشتاين - في 24/11/1948،
الى مدير جريدة "نيويورك تايمز" ما يلي:
"من غير
المعقول - حينما يعرف الذين يعارضون الفاشية في العالم بحقيقة نشاط السيد بين
وابعاد مفاهيمه السياسية - ان يؤيدوا الحركة التي يمثلها ويناصروه.. فهو زعيم
حزب سياسي شديد القرب من الاحزاب النازية والفاشستية، بتنظيمه. وطرقه
واساليبه وفلسفته السياسية، والطبقات التي يتوجه اليها. واعضاؤه هم من عصبة
"ارغون زفاي ليومي" المنظمة الارهابية اليمينية المتطرفة السابقة في فلسطين .
ان تصرف بيغن وانصاره في قرية دير ياسين العربية، لهو افظع الامثلة على هذه
السياسة، ففي 9/4/1948، هاجم ارهابيوه هذه القرية العربية المطمئنة، التي لم
تكن لتشكل اي هدف عسكري، وذبحوا جميع سكانها تقريباً لذا يتحتم ان تعرف هذه
البلاد بحقيقة السيد بيغن وفظائعه. وبالتالين فان الموقعين ادناه يقدمون علنا
بعض الوقائع ذات المغزى، والمتعلقة ببيغن وحزبه، طالبت بالحاح، من كل ذوي
العلاقة، الا يساندوا او يناصروا آخر مظاهر الفاشستية هذه". ذاك هو الرجل
المتعطش الى الدماء.. الذي كان قد اعلن امام حكومته "افراد غير يهود.. قتلوا
جماعة من غير اليهود، ونحن نتهم بذلك!" قال هذا عشية مذابح صبرا وشاتيلا،
التي ارتكبتها دمى مؤتمرة بامره من طراز "صديقه سعد حداد" بفضل وزير دفاعه،
وبإيعاز منه شخصياً. وزير الدفاع هذا، هو الجنرال آرييل شارون، الرجل الثاني
في النظام الحاكم، وجلاد لبنان، له - هو الاخر - ماض عريق في الاضطهاد
والتعذيب، نلقي الضوء على نشاطه الحالي. انه هو الذي كلفه "موشي دايان" في
اغسطس (آب) 1953، بمهمة انشاء وقيادة "الوحدة 101" المناط بها التنكيل باهالي
القرى الحدودية، لزرع الرعب في النفوس، ودفع السكان غير اليهود الى الرحيل،
طبقاً لاول مطالب عقيدة الصهيونية السياسية . اما اول غارات شارون وجلاوزته
فقد كانت على (قبية) القرية الاردنية الصغيرة، ليلة 15/10/1954 حينما قتل 66
شخصاً (كان ثلاثة ارباع عددهم من النساء والاطفال) وقد اثبت مراقبو الأمم
المتحدة العسكريون، في تقريرهم المرفوع الى مجلس الامن الدولي، انهم رأوا،
بعد وصولهم الى قبية، عقب ساعتين من المجزرة "اجساداً مزقها الرصاص، وآثار
رصاص فوق الابواب والنوافذ في البيوت المهدمة. مما يدل على ان السكان اجبروا
على البقاء في الداخل. بينما كانت المنازل تنهار عليهم. والشهادات مجمعة على
ان الجنود الاسرائيليين، في ليلة الرعب هذه، كانوا يتجولون في دروب القرية،
وهم يفجرون البيوت، ويطلقون النار من اسلحتهم الاوتوماتيكية على ابواب البيوت
ونوافذها، ويقذفونها بالقنابل اليدوية". وبين الحوادث المثيرة التي سبقت اولى
حروب سيناء، كانت مذابح خان يونس وبني سهيلة، التي قادها شارون شخصياً في ليل
31/8/1955 في الاراضي المصرية، كما قاد الغارات "التأديبية" عند الضفة
الشرقية لبحيرة طبريا (ادان هذا العمل مجلس الامن الدولي في 19/1/1956).
في عدد
24/8/1973 من جريدة (هاعولام هاذيه) كتب يوري افنيري، ما يلي:
- "اثناء حرب 1967، قاد شارون الجيش المهاجم لصحراء سيناء. انه المسؤول
شخصياً عن موت مئات الجنود المصريين، برفضه اعتبارهم اسرى في الايام الاخيرة
من الحرب، ما دامت تعليمات موشي دايان تنص على عدم اللجوء الى اسر افراد
القوات المسلحة المصرية في سيناء، بل الى ابادتهم"!!
وكان
آرييل شارون، قد كتب يوم 26/7/1973 في جريدة يديعوت احرونوت: "تشكل اسرائيل
اليوم قوة عسكرية فائقة التفوق. وكل قوات الدول الاوروبية مجتمعة هي اقل
شأناً من قواتنا. ان اسرائيل تستطيع الاستيلاء، خلال اسبوع واحد، على منطقة
تمتد من الخرطوم الى بغداد فالجزائر". وهو، كوزير للدفاع، يمتلك اليوم صواريخ
نووية يمكن ان تجعل هذه التبجحات قابلة للتحقيق عام 1983. اما الرجل الثالث
في الثالوث المشؤوم، هو اسحاق شامير، وزير الخارجية وله ماضٍ "مثقل" بالجرائم
كماضي صاحبه، حتى ولو لم نتناول منه سوى ما يتعلق بعلاقاته مع الدول الاخرى
والمنظمات الدولية.. وتطغى العنصرية على توجهاته العملية ونظرته الى العالم
والعلاقات الدولية وهذا موضح في مقال له في عدد 14/11/1975 من جريدة يديعوت
احرنوت يعلق فيه على تصديق هيئة الأمم المتحدة على قرار اعتبار الصهيونية
شكلاً من اشكال التمييز العنصري، فيقول: "من غير المقبول ان امماً مكونة من
اناس، نزلوا مؤخراً من مجاثمهم فوق اغصان الشجر ان تحسب نفسها قيمة على هذا
العالم! اذ كيف يتسنى لجماعات بدائية ان تكون لنفسها آراء خاصة بها؟ اما
الضربة التي تلقيناها اخيراً من هيئة الأمم المتحدة، فيجب ان تقنعنا من جديد
باننا لسنا شعباً كالاخرين". تلك اذن همزة الوصل الصهيونية في ميدان السياسة
الخارجية.. وامتياز اسحاق شامير، مستقى من تلك النظرة، فشامير كان احد
الموجهين الثلاثة لحركة "ليهي" او "اتزل" المعروفة عادة باسم "مجموعة شترن".
وقد كشف المؤرخ الالماني كلاوس بولخن، اثناء مراجعته لمحفوظات الرايخ الثالث
السرية، عن خطة تحالف مجموعة "شترن" في يناير (كانون الثاني) 1941، على وزير
خارجية هتلر. وقد حمل المقترحات الملحق البحري في السفارة الالمانية في تركيا
(الذي كان يكلف بمهمات خصوصية في بلدان الشرق الاوسط). هذا الملحق البحري في
السفارة الالمانية بتركيا، نقل في رسالته المؤرخة في 11/1/1941 مقترحات
"ليهي" او مجموعة شترن، وخلاصتها: اجلاء الجماهير اليهودية عن اوروبا، كشرط
اول لحل المشكلة اليهودية".. لكن هذا غير ممكن دون اسكان هذه الجماهير في
دولة يهودية ذات حدود تاريخية، وهو ما يهدف اليه نشاط حركة ليهي من اجل
الحرية، وكفاحها طوال سنوات عديدة عبر تنظيمها العسكري القومي:
2
- امكانية قيام مصالح مشتركة بين اقامة نظام جديد في اوروبا طبقاً للمفاهيم
الالمانية، وبين طموحات الشعب اليهودي الحقيقية كما تجسدها حركة ليهي.
3
- امكانية التعاون بين المانيا جديدة وامة عبرية متجددة.
4
- اقامة دولة يهودية تاريخية على اساس قومي وحكم الحزب الواحد، مرتبطة
بمعاهدة مع الرايخ الالماني، يمكن ان تساهم في تعزيز مركز المانيا في الشرق
الادنى.
وتعاون
"الحركة الاسرائيلية من اجل الحرية" (ليهي) يسير في الاتجاه الذي اختطه
مستشار الرايخ الالماني الثالث هتلر، عندما اشار في خطابه الاخير الى القول
باي ترتيب او تحالف في سبيل عزل انجلترا ودحرها . نفس الحقد على انجلترا دفع
شامير، على رأس جماعة شترن، الى اغتيال وزير الدولة الانجليزي لشؤون الشرق
الاوسط اللورد موين، في القاهرة، في نوفمبر (تشرين الثاني) 1944، ثم وبنفس
الطريقة الارهابية الى اغتيال الكونت برنادوت وسيط الامم المتحدة، في
17/9/1948 بالقدس. اما اهتمامه الاعظمي فكان اهتمام الصهيونية السياسية نفسها
بخلق "مجال حيوي" في فلسطين من اجل جلب اليهود اليه. وقد كتب الحاخام هارولد
رينهارت، من كنيس (وست آند) بلندن، في عدد 23/9/1948 من جريدة تايمس ما يلي:
-
"الجنون وحده هو الذي يمكن ان يفسر مقتل الكونت برنادوت. لكن المعروف من
تجرية النازيين الحاسمة، ان الفاصل بين الجنوب والقومية المنفلتة من عقالها
غير واضح. فالقومية العارية لا تعرف لها قانوناً غير الضرورة. وتحمسها لاجل
"المجال الحيوي" ليس في نطاق العقل او الرحمة. ان قومية عاريةـ تتغذى من
اليأس والخيبة تطغى احياناً على يهود اليوم، خلافاً لكل المأثورات اليهودية".
ذلك هو ثالوث مجرمي الحرب، الحاكم حالياً في اسرائيل. الا انه من السذاجة
بمكان الاعتقاد بانه يكفي لحل المشكلات ان يستبدل اولئك الثلاثة بآخرين ذوي
مظهر مغاير. فالمشكلة ليست في الاشخاص، بل في العقيدة، عقيدة الصهيونية
السياسية التي ساروا بها الى اقصى الحدود. ان وحشية تتقنع بوجه بشري لا تكف
عن كونها وحشية. صحيح ان ريغان كان يفضل تابعين له اقل تبجحاً من بيغن، ولكن
عليهم اتباع نفس الخط السياسي. لا شك انه يفضل شمعون بيريز وفريقه.. ولكن اية
تغييرات ستأتي بها هذه السياسة الصهيونية؟ على أي حال، فقد سبق لهذا الفريق
ان كان في الحكم منذ قيام دولة اسرائيل. وكان شمعون بيريز من الاتباع
المفضلين لدى بن غوريون الذي رأينا كيف وضع الخطوط لبرنامج الصهيونية
السياسية حتى في اسوأ ابعاده ونتائجه. فهل كان بيريز اكثر انسانية تجاه
الفلسطينيين؟ حينما ابدى بيريز سخطه في الكنيست على وزير الدفاع آرييل شارون،
لمسؤوليته عن مذابح صبرا وشاتيلا، اجاب شارون بقوله: "اين كان الضباط
الاسرائيليون حينما كان الفلسطينيون يقتلون في تل الزعتر؟ لقد كنت يومئذٍ
وزيراً للدفاع" ذلك انه عندما انتهى حصار استمر خمسين يوماً - بين 22/6/1976
و 12/8/1976 - اندفعت بعده "كتائب" فاشية تصف نفسها "بالمسيحية" مسلحة باحدث
اسلحة الحكومة الاسرائيلية، لقتل حوالى الفين من "المفقودين".. لم تبدر اية
حركة من جانب الحكومة الاسرائيلية ووزير دفاعها شمعون بيريز لوضع حد لفظائع
الدمى المتحركة بأمرها. صحيح بان آرييل شارون، هو الذي راح يتباهى بجرائمه،
قائلاً: "يجب ان نضرب.. وان نضرب بلا هوادة.. يجب ضرب الارهابيين في كل مكان
في اسرائيل، وفي البلاد العربية، وفي كل مكان. وانا اعرف كيف يكون ضربهم،
لاني قد فعلت ذلك قبلاً. والتحرك لا يتم فقط بعد قيامهم بعملياتهم، بل كل
يوم، وفي كل مكان. فاذا وصل الى علمنا ان بعضهم موجود في بلد عربي ما، او في
بلد من بلاد اوروبا، فيجب الوصول اليهم ليس في وضح النهار وحسب، بل وخفية.
وهكذا يختفي احدهم فجأة، او يعثر عليه ميتاً، او مطعوناً بخنجر في احد
النوادي الليلية الاوروبية" . ما قاله شارون يفعله "العماليون" لان ارهاب
الدولة، هو ايضاً، في صميم منطق الصهيونية السياسية. فبعد التحقيق الطويل في
مقتل وائل زعيتر، ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في ايطاليا، يوم 16/11/1972
في روما، اوضحت محكمة الجنايات بروما في نوفمبر 1981 انها لا تستطيع ادانة
فرد معين، لانها امام قضية سياسية ليست من اختصاصها:
"هذه
الجريمة من فعل سياسة مرسومة مسبقاً.. وموجهة بطريقة منهجية وبفعالية عسكرية
بواسطة جهاز تابع لدولة اسرائيل" الى ان تصفية ستة فلسطينيين جسدياً بين
اكتوبر 1972 ويوليو 1973، فقد سبقتها تصريحات رسمية وغير رسمية من قبل
مسؤولين اسرائيليين، تعلن حرباً لا هوادة فيها ولا رحمة. ضد المقاومة
الفلسطينية وممثليها في كل مكان وفي كل زمان، وبكل الوسائل الممكنة. ورأت
المحكمة وجوب اسناد هذه الجرائم الى "اجهزة المخابرات السرية الاسرائيلية،
وبشكل خاص الى القسم التابع لهذه المخابرات المكلف بالاتصالات الخارجية".
بعد
مقتل وائل زعيتر، كان تعليق رئيسة الوزراء "الاشتراكية" غولدا مائير، مشابهاً
لاقوال آرييل شارون، فقد اجابت على سؤال في الكنيست، يوم 18/11/1972 - أي بعد
48 ساعة على وقوع الجرمة - بما يلي:
- "كل
ما اعرفه ان الرصاصات قد بلغت بالفعل هدفها".
من وضع
القوانين العنصرية حول العودة؟ من نظم مراحل اغتصاب الاراضي؟ من طرد العاملين
فيها؟ من قام بالاعتداء على السويس؟ (هيأ له في باريس موشي دايان وشمعون
بيريز) ثم الاعتداء عام 1967؟ الفاعلون لا يتغيرون…. بن غوريون، موشي دايان،
غولدا مائير، شيمون بيريز. وقد كانوا ينتمون الى حزب "المعارضة" الحالية.
والاعتداء على لبنان، بواسطة بيغن وشلته، ليس سوى فصل اخر من نفس الكتاب
الخاضع لنفس المنطق ومصدقاً لذلك. ان بيغن لم يكلف سوى بيريز بالتوجه الى
الامريكيين لشرح ملابسات هذه العملية. ذلك انه لا خلاف في الجوهر حول مرتكزات
هذه السياسة.. فبعد يومين من بدء غزو لبنان، حينما لم يكن احد ليخطىء في
تقدير حجم هذه الحملة ووسائلها وابعادها، وعند التصويت على الثقة بالحكومة في
الكنيست، لم يمتنع عن التصويت سوى تسعة نواب، بينهم واحد فقط من الحزب
العمالي (اما الحزب الشيوعي فقد صوت ضد الحكومة). وفيما يتعلق بالمستقبل
وبالحل الفعلي للمشكلات بواسطة المفاوضات، كان نفس الرفض لمشروع فاس،
والانحياز لمقترحات ريغان التي تستبعد كل حوار مع منظمة التحرير الفلسطينية،
بينما ليس هناك ادنى شك في ان هذه المنظمة هي المفاوض الوحيد، اذا كان المراد
هو السلام. من هنا يفهم موقف المستشار النمساوي برونو كرايسكي، اليهودي
الاشتراكي ، الذي قتلت عائلته في معسكرات الاعتقال الهتلرية، والقائل، بعد
التنويه بالصراع المتفاقم داخل الاشتراكية الدولية: "لا اريد ان تكون لي
علاقة بإسرائيل هذه!" .
11
الخلاصة:
1 - ليست لدولة
اسرائيل الصهيونية، منذ ان زرعت، اية مشروعية تاريخية، ولا توراتية، ولا
قانونية، كذلك ليست لتملك اخلاقية في تصرفها بالداخل والخارج (عنصرية،
توسعية، ارهاب الدولة) هي دولة، بين اسوأ اقرانها، شبيهة بالدول التي ترتبط
بها اوثق ارتباط:
- كالولايات المتحدة الامريكية، التي تأخذ اسرائيل عنها اسوأ ما كان
الامريكيون يرتكبون بحق الهنود الحمر والزنوج، وتقتدي بأسوأ تصرفاتها (في
فيتنام مثلا) وتلوح مثلها بالديمقراطية الوهمية (هذه المقرونة بالدكتاتوريات
الدموية في امريكا اللاتينية).
-
وجنوب افريقيا، وتأخذ عنها ممارسة التمييز العنصري، والنهج الاستعماري
القديم.
- وسلفادور، وغواتيمالا، واورغواي (الملاذ الرئيسي لقدماء النازية) وتزودها
اسرائيل بالسلاح وبالمدربين لاستخدام الارهاب ضد شعوبها.
2
- العقيدة المكونة لدولة اسرائيل: اليهودية الصهيونية،
التي نشأت من
التقاليد اليهودية والنزعات القومية والاستعمارية
الغربية التي ازدهرت في القرن التاسع عشر، هي شكل من اشكال العنصرية،
والقومية، والاستعمار.
3
- هذه الدولة، القائمة على ايديولوجية خادعة كهذه، وعلى سلسلة من اعمال العنف
والارهاب، لم تنشأ الا بموجب قرار غير شرعي من هيئة الأمم المتحدة (المحكومة
يومئذٍ بقوى غربية استعمارية) صادر بفعل ضغوط ورشاوى مخجلة. كما انها لم تعش
نتيجة لعملها الذاتي وبقوتها النابعة منها، بل بواسطة تدفق المال والسلاح من
الغرب - كالصليبيين في سالف الازمان - وعلى الاخص، بالدعم غير المشروع وغير
المحدود من جانب الولايات المتحدة الامريكية، التي جعلت من اسرائيل جزءاً
رئيسياً في استراتيجيتها الدولية، وجيبا متعمقاً في الشرق الادنى.
4
- تدخل دولة اسرائيل الصهيونية، بعد تجريدها من الاوهام التأسيسية، ومن
الارهاب الفكري (عندما لا يكون مادياً)، في الحق المشترك بين الدول، دون هالة
او امتياز او سمة تقديس، لان جميع الدول - وعلى غرارها - قد نشأت، لا من "حق"
معين، بل من توازن قوى وامور واقعية.
5
- اذن لا مجال لاعادة وضع التاريخ وتشكيل حدود للدول محفوفة بالمخاطر، بقوة
المدافع، وبالتالي، مم يمكن ان يكون الحل الواقعي0
6
- من الحماقة ان يطلب من المسلين او من العرب أو من منظمة التحرير الفلسطينية "الاعتراف باسرائيل" على
الاقل، لثلاثة اسباب رئيسية:
أ - فذلك سيعني الطلب من الفلسطينيين ان يعلنوا شرعية اغتصاب الارض، واقصاء
اصحابها، وهي اعمال كانوا هم ضحاياها. ربما امكن، عند الاقتضاء، قبول دولة
اسرائيل كأمر واقع في انتضر تغير موازين القوى، ولكن لا الاعتراف بها كحق.
ب - ان دولة اسرائيل، بطبيعة جوهرها (الصهيونية) وطبيعة وجودها
(تتابع عدوانيتها وحروبها) هي في توسع دائم، تتطلع بعد كل اعتداء وكل ضم
للاراضي، الى "مجال حيوي" جديد. فلا يمكن اذن الاعتراف بمصداقية حدود "مطاطة"0
واية اسرائيل يطلب من منظمة التحرير الفلسطينيين الاعتراف بها؟
أهي تلك
الناتجة عن تقسيم 1947 الذي رسمته هيئة الامم المتحدة؟ أم عن
اعتداءاتت 1948
الارهابية ودير ياسين؟ أم عن 1967، واغتصاب الاراضي بواسطة الحروب الوقائية
والاجتياح؟ أم عن 1982 وتزايد عدد المستوطنات؟ ام عن خطوط الهلوسة لدى هرتزل
(من الفرات الى النيل) ولدى بن غوريون (من الليطاني الى سيناء)؟
أم عن آرييل
شارون، الحالم بالسيطرة على الشرق الادنى، من دردنيل تركيا الى سويس مصر؟ ام
عن "مشروع" تفكيك جميع الدول العربية وفقاً لتقسيماتها العرقية او الدينية؟.
ج - واخيراً، كيف يمكن الطلب الى الفلسطينين ان "يعترفوا" بشيء،
بينما ينكر عليهم حتى حقهم في الوجود؟ كيف يمكن طلب اعتراف مؤسسة غير معترف
بوجودها اصلاً؟ مع أي مفاوض اكثر تمثيلاً للفلسطينيين، يود الساسة
الاسرائيليون ان يتعاملوا؟ ما دام رؤساء البلديات المنتخبون من السكان
الفلسطينيين - واغلبيتهم ابدت تعلقها بمنظمة التحرير الفلسطينية - قد عزلهم
المحتل الاسرائيلي فهل يتم التفاوض على التعديات الجديدة مع حفنة من
المتعاونين والعملاء، الذي هم بالنسبة للعرب، كما هو سعد حداد بالنسبة
للمسيحيين؟ الواقع، ان الساسة الاسرائيليين من بيغن الى بيريز لا يريدون
التفاوض مع احد.
7
- تبعاً لذلك، لا يمكن ان يتأتى حل للمشكلة الا عن طريق المجموعة الدولية:
أ - وهذا لن يتم - كما تدعيه دعاية كاذبة - "بالقاء الاسرائيليين في البحر"
لان ما يحاربه الفلسطينيون وجميع انصار الحرية في العالم، ليس فرداً او
شعباً، بل عقيدة عنصرية، هي الصهيونية والمسلك العدواني
والاستعماري الذي تمارسه دولتها وساستها.
ب - ان اسرائيل ولدت
كطفل غير شرعي - ثمرة اغتصاب.
ج - اذاً أي حل يتم التوصل اليه، يجب ان تضمنه الامم المتحدة. رغم نواقصهاة.
8
- ان الحل الوحيد، الذي يشرف الجميع، ويوفر الامن والسلامة للجميع،
للاسرائيليين والعرب على السواء هو قبول الطرفين بجميع قرارات هيئة
الامم المتحدة بشأن فلسطين.
9
- لكن الساسة الاسرايليين يعرقلون التطبيق، لانه - لو تم - فسيجمد المشروع
الصهيوني القائم على بسط النفوذ والاستمرار في التوسع. ومع ذلك، فان
مواجهة هذا الحل غير مستبعدة، ما دامت اكاذيب هذه الصهيونية السياسية تتكشف
للعيان مع مرور الايام.
- قبل كل شيء، لان 18 % من يهود العالم قد استجابوا لنداء "العودة".
- ثم لان التيار قد انعكس الآن، فبات عدد اليهود المغادرين لاسرائيل اكبر من عدد
الراغبين منهم في "العودة". وهذا ابلغ دليل على فشل الصهيونية
ومشروعها الرامي الى تهجير جميع يهود العالم الى فلسطين، ليشكلوا معزلاً
(غيتو) عالمياً فعلياً.
10
- ان تحقيق هذه التسوية السلمية، النازعة لفتيل حرب عالمية ثالثة محتملة، هو
من مسؤولية المجموعة الدولية. واللجوء الى العنف غير وارد في هذا السبيل، بل
يصار الى تخفيض معتدل في مقدار المساعدات المتدفقة على اسرائيل، لحمل زعمائها
على التفاوض. لان اعتمادها على الخارج في مجال الاقتصاد والمال والتسلح، هو
اساسي.
11
- ونشر هذا الكتاب بالانجليزية والفرنسية، يرمي الى المساهمة في نشر الحقائق
الموضوعية امام الرأي العام العالمي، بغية طرح المشكلة على البحث الهادىء.
12
- في مرحلة اولى، يتوجب ما يلي:
أ -
ان تتوفر لكل طائفة، في فلسطين وغيرها، عربية كانت ام يهودية، الضمانات
لسلامتها، وانتفاء كل تمييز عنصري، والتمتع بحكم ذاتها بذاتها، وذلك برعاية
قوة دولية.
ب - ان تتوقف كل شحنات السلاح والعتاد والتجهيزات العسكرية، الى الشرق
الاوسط.. وان يمنع جمع الاموال، في أي بلد من البلدان، بواسطة الاجهزة
الرسمية التابعة لدولة اسرائيل "كاالمنظمة الصهيونية العالمية" و"الوكالة
اليهودية العالمية" (المنشأة بموجب القوانين التأسيسية لدولة اسرائيل
الصهيونية).
ج - ان يتم تعزيز ذلك النزع التدريجي للسمة الصهيونية عن دولة اسرائيل، بسن
عقوبات اقتصادية متصاعدة، تضطر القادة الاسرائيليين في النهاية الى فتح باب
الحوار مع منظمة التحرير الفلسطينية، ومع كل من عانى من سياستها العدوانية
منذ ما يقرب من نصف قرن من الزمان.
روجيه
غارودي