حرية الرأى فى الإسلام
الإسلام اول من كفل حرية الرأي و حرية القول والنقد أيضًا وقد أقرها الإسلام بل جعل ما هو أكثر من الحرية إذ جعل القول والنقد -إذا تعلقت به مصلحة الأمة ومصلحة الأخلاق والآداب العامة - أمرًا واجبًا.. أن تقول الحق، لا تخاف في الله لومة لائم أن تأمر بالمعروف أن تنهى عن المنكر أن تدعو إلى الخير أن تقول للمحسن: أحسنت وللمسيء : أسأت. هذا ينتقل من حق إلى واجب إذا لم يوجد غيرك يقوم به.
إو إذا كان سكوتك يترتب عليه ضرر في الأمة أو فساد عام حين ذاك يجب أن تقول الحق لا تخشى ما يصيبك "وأُمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور" (لقمان:17) هذا ما وصل إليه الإسلام.
ليس في الإسلام أن تكتم أنفاس الناس ولا أن يلجم الناس بلجام فلا يتكلموا إلا بإذن ولا يؤمنوا إلا بتصريح كما قال فرعون لسحرته: (آمنتم له قبل أن آذن لكم؟) يريد ألا يؤمن الناس إلا إذا أذن وألا يتكلم الناس إلا بتصريح من السلطات العليا ومن واقع قرائتنا للتاريخ الاسلامى نجد ان الاسلام اول دين يكفل الحرية المطلقة للرأى مبدأ أرساه الإسلام منذ ظهوره، وطبّقه الرسول (صلى الله عليه وسلم) وبعض الخلفاء الراشدين
ومن القواعد التي أرسي الإسلام دعائمها حرية التفكير في كل ما يطرح علي الإنسان من أراء وأفكار .
ليقيمها فيأخذ بالرأي الذي ترتاح إليه نفسه وبما يمليه عليه ضميره أو يرفضه إن شاء وكلمة الحق هي التي يبتغي بها وجه الله ومصلحة الدين والدنيا الخالصة من أي أهواء أو مصالح شخصية أو شائبة نفاق أو تملق ولا تحمل في ثناياها أي كيد أوخداع أو إثارة لفتن وصراعات ولا تحمل تحيزاًَ واختلافاَ لمجرد التحيز أو الاختلاف.
الدين النصيحة:
وقد أرسي الإسلام قواعد الحرية فجعل قول الحق والتدخل بالنصح لجميع الناس :" قال رسول الله صل الله عليه وسلم : " إن الدين النصيحة إن الدين النصيحة إن الدين النصيحة قالوا لمن يا رسول الله قال لله وكتابه ورسوله وأئمة المؤمنين وعامتهم وأئمة المسلمين وعامتهم"( صححه لألباني).
ففرض علي كل مسلم ألا يسكت أو يغض بصره عن الانحرافات.
ولا ينعزل عن المجتمع الذي يعيش فيه ,عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صل الله عليه وسلم :
"من لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ومن لم يصبح ويمسي ناصحا لله ولرسوله ولكتابه ولإمامه ولعامة المسلمين فليس منهم "(الحاكم والطبراني).
فالإسلام يطلب من كل مسلم أن يكون له موقف ويكون له رأي لتمكين مجموع الأمة من
القيام بمهامها وتحقق خيريتها:" كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ"(آل عمران/110).
وقال تعالي:"لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ"(آل عمران/79,78).
وقال صل الله عليه وسلم :" من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان"(أحمد ومسلم).
و الله تعالى لم يعط سلطته فى الدنيا لبعض الناس ليعاقبوا باسمه من اختلف معهم فى الرأى
والذين يدعون لنفسهم هذا الحق المزعوم إنما يفسدون القضية من جذورها ويتقمصون دور الإله حيث لا إله إلا الله، ويتحكمون فيما رغب عن التحكم فيه رب العزة حين ترك العقل الإنسانى حراً بلا قيد يفكر بلا حدود ويؤمن إذا شاء ويكفر إذا أراد ويعلن ذلك بجوارحه كيف أراد. هذه الفئة من البشر علاوة على أنها تزيف دين الله وتغتصب سلطاته التى ادخرها لذاته يوم الدين فإنها أيضاً تعطى الحجة لمن ينكر حساب الآخرة وعذاب النار، وحجتهم أنه إذا كان هناك إرغام على الإيمان وإذا كان هناك إكراه فى الدين فلا مجال حينئذ لأن يكون هناك حساب وعقاب يوم الدين. بل إنهم يعطون دين الله تعالى وجهاً قبيحاً متشدداً دموياً متحجراً متخلفاً، ويسهمون فى إبعاد أغلبية الناس عنه، وهذا الوجه القبيح لا علاقة له بدين الله تعالى بل هو وجههم هم، وهو دينهم هم الذى يناقض دين الله تعالى جملة وتفصيلا.
لا تكـــــن إمعــــة:
كما يطلب الإسلام من المسلم ألا يكون إمعة لا رأي له ولا موقف سوي مجاراة الرأي العام روي عن رسول الله صلي الله عليه وسلم :"لا يكن أحدكم إمعة يقول إذا أحسن الناس أحسنت وإن أسأوا أسأت ,ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسنوا أو أسأوا ألا تظلموا"(الترمذي).
وعن أبي ذر رضي الله عنه قال أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بخصال من الخير أوصاني أن لا أخاف في الله لومة لائم وأوصاني أن أقول الحق وإن كان مرا"(ابن حبان في صحيحه ).
فقول الحق يحتاج إلي جهاد في سبيل الله عزوجل وهذا ما بينه رسول الله صلي الله عليه وسلم بقوله:"أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر"(أبوداود والترمذي).
حرية السلوك:
ولم تكن الدعوة إلي التعبير عن الرأي كلاماَ نظرياَ أو فلسفياَ عقيماَ بل خرجت الدعوة إلي التطبيق العملي لتثبت أن حرية الرأي إذا طبقت كما يجب فهي الحارس الأمين علي كيان الدولة ونظامها.
فها هو رسول الله صل الله عليه وسلم يمنح أتباعه حرية في التفكير والرأي بل كان يحفزهم علي الاختلاف معه في أرائه الصادرة عن مكانته الشخصية مع جعله إياهم يطيعونه طاعة غير محدودة علي المنشط والمكره وفي اليسر والعسر في جوانبه النبوية..فنراه يقول لأصحابه:" إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر ."(صححه الألباني).
وقد روي أنه صل الله عليه وسلم قد أشار مرة علي من يشتغل بالنخيل من أهل المدينة بأمر فلما عملوا به ما عاد عليهم بالنفع فلما ذكر له ذلك قال صل الله عليه وسلم :" إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه فإني إنما ظننت ظنا فلا تؤاخذوني بالظن ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به فإني لن أكذب على الله" .(صححه الألباني).
وفي غزوة بدر نزل رسول الله صلي الله عليه وسلم منزلاَ فرآه الحباب بن المنذر غير مناسب فجاء الحباب بن المنذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :
أرأيت هذا المنزل أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخره أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ قال بل هو الرأي والحرب والمكيدة. قال يا رسول الله فإن هذا ليس لك بمنزل امض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فنعسكر فيه ثم نغور ما وراءه من الآبار ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد أشرت بالرأي ثم أمر بإنفاذه فلم يجيء الليل حتى تحولوا كما رأى الحباب وامتلكوا مواقع الماء "(سيرة ابن هشام).
وفي غزوة الخندق أراد رسول الله صلي الله عليه وسلم أن يعقد الصلح مع بني غطفان علي أن يعطيهم ثلث تمر المدينة حتي تمت كتابة صحيفة الصلح ولم يبق إلا وقوع الشهادة وعند ذلك بعث رسول الله صلي الله عليه وسلم إلي سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فذكر لهما ذلك واستشارهما فيه.فقالا له:يارسول الله ,أمر تحبه فنصنعه أم شيئاَ أمرك الله به لابد لنا من العمل به أم شيئاَ تصنعه لنا ؟قال صل الله عليه وسلم :"بل شيء أصنعه لكم والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من شوكتكم إلي أمر ما".قال سعد بن معاذ :يارسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم علي الشرك بالله وعبادة الأوثان ولا نعرفه وهم لا يطمعون أن يأكلوا من تمر المدينة إلا قِرىَ أو بيعاَ,أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا به وبك نعطيهم أموالنا ؟والله ما لنا بهذا من حاجة والله لا نعطيهم إلا السيف حتي يحكم الله بيننا وبينهم .
قال صل الله عليه وسلم :"فأنت وذاك"فتناول سعد بن معاذ الصحيفة فمحا ما فيها من الكتابة.
هكذا رأينا رسول الله صل الله عليه وسلم يرسخ مبدأ الحرية والشوري والتعبير عن الرأي والرأي الأخر ترسيخا َللأمن والاستقرار في المجتمع .
21 يونيو، 2013
Hamdy yusuf


0 تعليقات:
إرسال تعليق
الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]
<< الصفحة الرئيسية